الصورةُ بوصفها ذاكرةً للتاريخ
وكيف سيكتبُ [المؤرّخُ الآخر] مذبحةَ هذا القرن وقد سبقتهُ الصورةُ إلى التوثيقِ الجنائزي لِزمنه، للمدينةِ التي شهدَتِ الأبصارُ على اسمها ذاكرةً لموقع الجريمة؟ لقدِ ابتُلي المؤرّخُ الحديثُ بخصمٍ لم يعرفهُ آباؤه: الصورة.
المذابحُ التي ارتكبها الكيان الصهيوني في زمن الصورة اليوم، يستعسرُ معها نزغُ التأويلِ محوًا أو تنكُّرًا؛ إذ لم تقع في الزمن وحده إلّا وتجاوزته إلى الذاكرة البصريّة للإنسانية طُرًّا من جغرافيا المكان إلى جغرافيا الضمير. هكذا، واحدًا من أحدِ الشهودِ يغدو المؤرخُ، بعد أنْ كانَ سُلطانًا تسوحُ في ذودهِ سُلطةُ الزمنِ، يوزّعُ الحكاياتِ على الماضي كيفما شاء واصطفى، في إسار لزوم اعتباره للصورةِ أمينةً على النصِّ تارةً بالإضافة، وأخرى نقضًا له تُفلُّ وسائطَه وتُعرّي حيلَه التأويليةِ إن رامَ إسكان الروايةِ في سردٍ يُبرّر القتل أو يُلطّف المذبحة. والمؤرّخُ الذي يجيء بعد المجازر الصهيونية، لن يكون كآبائه، لأنّهم كتبوا التاريخ من علٍ، أمّا هو فعليه أن يُحسنَ ابتكارَ تصّرفٍ جديدٍ مع التاريخ؛ فالصورةُ قد سبقتْهُ إلى الشهادة وأدّتِ اليمين وأقامتِ الحدَّ على اللغة، شهدَت على القاتل والمقتول معًا، وأبقت معها كلَّ تبريرٍ عاريًا من الشرعية، وكأنّها في شكلٍ من أشكالِها تُعطّلُ فعل المؤرّخ من وجوه.
«هل يكون تاريخ الإنسان العاقل يومًا غير تاريخٍ طبيعي؟»1، لعلّ هذا السؤالُ الذي بسطَه ريجيس دوبريه، يكتسبُ نبوغَه في حيّزِ ثنائية التدوينِ التاريخي والصورة المَشهدية في المذابح الصهيونية؛ فإنا نرى صَنعةَ التدوين تنتمي إلى الطبيعي، أي فعل غريزةٍ ثقافيةٍ تُعيدُ استيلادَ القوة والغَلَبَة في هيئة سردٍ مُنتصِر، ويدوران عليها دوران الرحى نِفارًا غربٌ وشرقٌ يصيرُ معهما التأريخُ أقلّ دقّةً من ذاتيّته، ذاك أنْ لا تاريخ مُشترك بينهما، والتاريخُ العامُ، إن جازَ لنا التعبير، لن ينكرَ أنّ الأرضَ مشاعًا عامًا للجميع، والإنسانية صفة لكل الناس بتباين أجناسهم ودياناتهم، فالحقيقة بينهما نسبيةٌ وابنةُ المؤرّخ بوصفهِ، في التقليد الكتابي، المالكُ لما حدثَ والحَكَمُ بعد المعركةِ غالبًا؛ فهو يروّض الذاكرةَ كترويضِ صائدٍ فريستَهُ، ويعيد ترتيب الموتى في النص على وفقِ النظام السياسي المُرادُ نصرته.
لكن حين تجيءُ الصورة، لا كوثيقةٍ بل كشهادةٍ حسّية، ينكسرُ هذا النظام الطبيعي. فالصورةُ بما وثّقتهُ من المذبحة تأبى سَوقًا لمنطق الغَلَبة، لا تنتظر إذن المؤرّخ، تتفلتُ من سُلطة النص لتعرّي أصلَ الفعل الوحشيّ في الإنسان، وتُرجعُ التاريخَ إلى عُريّه البدئي، حيثُ يُرى الإنسان وهو يقتلُ أخاه، لا كما يدوّن نفسَه بعد القتل. هنا والآن، حيثُ شهدنا على المشهود المقتول، نرى كيف يرتبكُ التدوين التاريخي أمام الحضور الفاجع للمَشهَد.
*
ما قيمة التأويل التأريخي للمشهد المعلَن؟ كنتُ أحاكمُ نفسي بهذا السؤال أمام شاشةِ الأخبار وبثّ الفضائيات ومواقع التواصل مشهديّاتِ العنف اليومي للإبادة، الحديثة بأدواتِها، التي يُمارسها الكيانُ الصهيوني إثر السابع من أكتوبر، مُستعيدًا قراءةَ جان جينيه لمجزرة صبرا وشاتيلا، تلك القراءة التي لم تعبرْ إلا عن العجز اللُّغوي وهو يبحثُ عن لغةٍ ملائمةٍ لتسمية الألم2. وإذا صارَ الحاضرُ وحشيًّا غير قابلٍ للفهم واستنطاقِ تعلّاتِه، يُمسي فعلُ التدوينِ التاريخيّ طوباويّةً عمياء؛ إذ لا علمَ يُمسكُ بخيوطِ السياق في شروطهِ الحاضرة، ولا وعيَ يُقيمُ المسافةَ التي يُبنى فيها التأويل. عندها يسهُلُ علينا تقبّلُ انقضاض الصورة على الزمن، بما سلبَتِ المؤرّخَ صناعته؛ فالحكايةُ اليوم فعل شهودٍ لا فعل سردٍ لا يغدو الغدُ معها مشروعًا ومُهمّةً تاريخية، ولكن نزوة الذاكرة التي تتغذّى من فواجعِ الأمس وتُعيدُ إنتاجَها.
ههنا يصحُّ تساؤلُ ريجيس دوبريه: أَيكونُ تاريخُ الإنسانِ العاقلِ يومًا غيرَ تاريخٍ طبيعيّ؟ إذ تستردُّ الصورةُ الإنسانَ، وقد أُلغيَت مسافتُهُ مع التاريخ، من حيّزِ الفكرِ إلى حيّزِ الأثر، ومن مقامِ المؤرِّخِ إلى مقامِ الشاهدِ المذهولِ، وتُدخِلُهُ في زمنٍ لا يُؤرَّخُ لأنّ نسيان ما حدثَ يجلُّ عن ذاك.
*
كان الخطابُ الصهيونيُّ منذ نشأته يُؤَوِّل الحضورَ الفلسطينيَّ على وجه النفي، ويُقيمُ اعترافَه بذلك النفي على نسقٍ من العقلانيةِ المنظمة، لا على عفويةِ الغلبة، فإذا به لا يُقصي الفلسطينيَّ من الوجودِ فحسب، ولكن من الذاكرةِ أيضًا، إذ أراد أن يجعلَ الغيابَ أصلًا، والحضورَ استثناءً يعتازُ إلى إذنٍ منه؛ لذا حين ضَعُف الأدبُ عن أن يُقيمَ الشهادةَ، كما لاحظَ إلياسُ خوري إذ رأى الفلسطينيَّ يغيبُ صوتُه في أدبِ خصمه الإسرائيليّ، كان علينا أن نستعيضَ عن الحكايةِ، بوصفها مساحة سوء تفاهُمٍ أحيانًا، بالمشهد؛ لأنّ الصورة اليوم استطاعت تأويل الحضور الفلسطيني على خلاف ما أراد الخطاب الصهيوني، وهي بمقامٍ مكينٍ مقتدرٍ على وضع التاريخ أمام مراياه الأولى: تُحوّل التدوين من فعل عقلٍ مُنظِّم إلى فعل ضميرٍ مكلوم، وتفضحُ في الإنسان العاقل بقاياه الحيوانية، فأثبتت أنّ [الطبيعي] لم يُغادره، وأن المذابح، مهما صيغت ميتافيزيقيًا أو تبريريًا في السرديات الأخرى، قد أخرجتِ التاريخ من مَلكَة الخطاب إلى العيان، ونقضَتِ الحِيلَ في سردياتِ الآخر المُبرر لوحشيته.
ولئن رأى تروتِسكي أنّ الزمنَ عاملٌ في السياسة كسائر العوامل، فإنّ الصورةَ قد جعلتْ منه عاملَ العوامل، إذ بها وحدها يمكنُ أن يُقال: «كان» و«صار»، أو نتحدّث بوضوحٍ غير مستبهمٍ عمّا «قبل» و«بعد»؛ فقد حفظَت للحدث زخمَه السياسي، دون اجتزاءاتٍ قاصرةٍ، على خلافِ إرادةِ المؤرّخ، وأكسبَتهُ مقامَ الديمومةِ في وجهِ النسيان. فكم على المؤرخ اليوم أن يتعلّمَ من الصورةِ وقد فارقتِ الزمنَ من الأثر إلى ميزانه؛ عليه يزنُ الماضي نفسَه من حاضرٍ تُقاسُ شرعيةُ القولِ فيه؟
ولمّا اقتضتِ الحاجةُ الإنسانيةُ إلى تمييزِ الفواصلِ في التاريخ لدخولِ مرحلةٍ وخروجٍ إلى أُخراها، برَعت في ابتكارِ وسيلة تُدرك بها الحدثَ في حركتِه لا في سكونِه، فجاءت الصورةُ استجابةً لحاجتها؛ ورأينا نحنُ الشهودُ وبكامل عجزنا كيف تمهّرَت كاميرات الصحافيين في غزّة للجمع بين لحظةِ الانفجارِ وسياقِه الممتدّ. هُنا فقط، كانت المقبوليةُ العقليةُ والصورةُ توأمين لا فِراق ولا نوى، ولِتسخرَ منّا ومحاولاتِ تدويننا للفاجعة أو نقضها، بكل حمولتها البلاغية، بأنها قد صارت شاهدًا على الحدث، بل صارت فاعلَهُ، تُحدّدُ بدايةَ المرحلةِ ونهايتَها، وتُعيدُ إلى التاريخِ نظامَه الطبيعيَّ الذي حاولَ الخطابُ الصهيونيُّ كتمَه: نظامَ الشهادةِ على الجريمةِ لا تبريرِها، والحضورِ لا النفي… وأيّ قلمٍ يجرؤ بعدها على روايةٍ تبريريّةٍ أو تأويليّةٍ تسلبُ الضحيةَ حقّ ألمها وفاجعة ذاكرتها بعد أن صار الدمُ مرئيًّا في عروقِ الصورة؟
*
نحن أمام مأساةٍ تتجاوزُ الفلسطينيَّ وحده إلى وعينا الجمعيِّ كلّه؛ فالمأساةُ هذه ليست واقعةً سياسيةً تُقاسُ بموازينِ القوة، بل هي عجزُ اللغةِ عن احتواءِ ما يُرى، وانكسارُ الوعي أمام ما يُعرّي التاريخ من زيفه. فهل نفهمها كما يُريدنا القاموسُ الإسرائيليُّ أن نفعل، أم نبحثُ عن معنى آخر يُنقذُ الإنسانَ من تواطؤِ التأويل والنزوعية السياسيّة؟
كيف ننسى؟ وكيف نتذكّرُ ماضيًا لا يني يعودُ إلينا ما دامت إسرائيلُ بيننا؟ لقد جعلتِ الصورةُ الذاكرةَ مكتفيةً بذاتها، أعسرَت معها المؤرخَ عن صنعته أمام حاضرٍ مُثقل.
تغيّرَ فعلُ التأريخ، وغزّةُ تبدأ من حيثُ الدم على الصورة، من مريرِ اللحظةِ التي انبعثَت فيها العدسةُ كجرحٍ مفتوحٍ على الضمير الإنساني. هناك، يأتي المؤرخُ بعد الكاميرا، وقدِ استعوصَت آلتُه كتابةَ «الرواية» بلُغةٍ تفهمُ الألم كما فعلتِ الصورةُ وقد كتبتها بلغةٍ لا تُترجَم، كلّ ما يمكنه أن يفعلَه هو أن يفسّرَ الصمت، ذيّاك الصمت الذي تخلّفه الصورةُ حين تُغني عن كلّ كلامٍ لا يفي.
مهمةُ المؤرّخ، ومهمتُنا اليوم، تتجاوزُ حدّ كتابة ما وقعَ، إلى تأمّل ما لا يُمكنُ نسيانُه؛ فكلُّ تدوينٍ ليس إلّا فعلاً مرتجفًا بين الحقيقةِ والذاكرة، كيف لا وقد تعيّن علينا أن نواجهَ تاريخًا طبيعيٍّا بصريّا لا تُروى أحداثُه بقدرِ ما تُرى؟ حدثٌ مرئيّ، دمٌ مرئيّ، ظلمٌ مرئيّ، نعجزُ عن تأويله وتزويرِه. هذا سؤالٌ حقيقٌ بالنظر: كيف سيُؤرِّخُ الإنسانُ ما صار مرئيًّا إلى هذا الحد؟ وكيف يُعيدُ اللغةَ إلى مقامها وقد سقطَت أمام الشهادة الضوئية للجريمة التي أحرجَتنا أخلاقيًا؟
ولعلّ السؤالَ الأثقل جرحًا وخلقتهُ الصورةُ ليس عمّا تُظهِرهُ فحسب، بل عمّا تُخفيهُ أيضًا. فهلِ استطاعتِ الصورةُ أن تقرأَ كلَّ أشكالِ الإبادةِ والألم، أم هي إحدى صُوَرها؟ هل أبانتِ المأساةَ أم صارت أحدَ وجوهها؟ لعلّها، في مفارقتها العجيبة وتورّطنا معها بتعدّدِ لغاتنا، تُعلّمنا مُجدّدًا كيف نُسمّي الأشياءَ بأسمائها بعدَ أنِ ابتذلناها في سوق السياسة، وكيف نعيدُ للّغةِ اعتبارَها بعد أن خانتها الحكايةُ وأدركها الضوءُ في لحظةٍ من صدقٍ موجعٍ، وجرحٍ نستنطقُ معه عُجمةَ الوصفيّة للفاجعةِ عند درويش إذ قال:
«وأنا أسيلُ ذاكرةً ودمًا أسيلُ»، علّنا بعد هذا كله، نبتكرُ لغةً لا تُدينُها مصداقيةُ الصورة.


