صوَر على حافة العالم

في معرض تقديمه لكتابه “الجغرافيا الثقافية”، يكتب مايك كرانغ أن “الثقافات ظواهر دقيقة يمكن تحديد مواقعها”. بمعنى آخر، الثقافة تنشأ وتنمو في حيّز مكاني. فما هي الثقافة التي تنبثق عن “الموقِعة”؟ هل يمكن التحكّم بها؟ وماذا لو كانت عدسة الكاميرا هي التي تنقل “المشهَد”؟ 

من موقعي ككاتب هذا النص، أجد نفسي في مأزق حقيقي. أقدّم هذه الصور التي التقطَتْها طائرة بدون طيار تابعة للجيش الإسرائيلي في الحرب الأخيرة على لبنان، محاولاً نقل الصورة-الموقعة إلى حيّز جديد. فمنذ السابع من أكتوبر وحتى اليوم، وُضِعَت ممارسة الإنتاج الثقافي والفنّي أمام تحدّ جديد. 

على الصعيد الشخصي، أثّر النظر إلى هذه الصور على إنتاجيتي. ورغم ذلك، تملّكتني رغبة ملحّة للانطلاق نحو شيء ما. ثم جذبني سؤال أعتقد أنه مثير للاهتمام، أو بالأحرى سؤال محيّر: كيف يختار المرء عملًا ويقدّمه. أو كيف يتحدّث أو يكتب عن صورة. والجواب متاح من خلال الإجابة عن السؤال التالي: “أين نظرَت العين؟” وهذا يقودنا إلى سؤال آخر: “أين تختار العين أن تنظر؟”. وأعتقد أن الإجابة على هذا السؤال هي مفتاح لإعادة فهم موقع الصورة في الذاكرة وفي الثقافة وفي التاريخ.

ولذلك أشارك هذا النص آملًا أن أعيد ترتيب هذه الصور في حيّزين في آنٍ واحد: في ذهني وفي الحيّز الثقافي. كما أكتب هذا النص آملًا إعادة توجيه هذه الصور أو إعادة توجيه غرَضها. وربما أقودها نحو أفق جديد، فأحفّز عين القارئ، وأطرح بعض الأسئلة التي تنحرف عن ردود الفعل الغريزية المعتادة (التعاطف مع الضحية / تمجيد البطل) وتصوّب نحو ما هو أبعد.

*
إذن، هذه الصور ومقاطع الفيديو التقطتها طائرات بدون طيار تابعة للجيش الإسرائيلي أثناء تتبّعها لمقاتلي المقاومة قبل ثوانٍ أو دقائق من استهدافهم في منطقة مجدل سلم، جنوب لبنان. والهدف أو القصد من نقل الصورة من الموقعة إلى الشاشة هو في المبدأ إذلال هؤلاء المقاتلين وعائلاتهم وأنصارهم. الطائرة تلاحق، الكاميرا تصوّر، المشغّل يضغط على الزر، المقاتل يسقط. ينشر العدو شريطًا مصوّرًا، تتعرّف العائلة والأصدقاء على الحيّز المكاني والمقاتل والسياق.

تُرى ما الذي سينتج عن هذه الموقعة التي لم “تحصل” إلا بعد نشر الفيديو؟ بما أن الهدف هو الإذلال، فمن المتوقع أن ينتج عن استهلاك هذه الصور كما وصلت إلى المُشاهِد مشاعر حزن وإحباط ويأس. فالمقاوم قُتل في نهاية المشهد. وعليه، فإن الثقافة التي تريد أن تولّدها هذه الصور هي ثقافة ذلّ واستسلام تؤسّس لرأي عام مهزوم، يتخبّط، يخضع، استعدادًا للتنازل والتطبيع.

ولكن ما لم يتوقعه الإسرائيليون هو أن ينتج عن هذه الموقعة شيء آخر تمامًا. لقد تداول هذه الصور أهل المقاتل ورفاقه ومحبّوه على نطاق واسع، ولكنهم أعادوا ترميزها لتُنشر بحب وفخر، كما لو أن كل فرد منهم يستهلّ بيانه العسكري الخاص بـ “بكل فخر واعتزاز…”. اهتمامي هنا يكمن في كيف يستهلك ويشارك الفرد صورة موجّهة ومركّبة بالكامل من قبل عدو. 

يزداد فضولي: كيف يمكن لهذه الصورة، هذه اللقطة المنفردة لإنسان وحيد في مواجهة عدسة طائرة بدون طيار تنتمي إلى آلة القتل الأكثر دموية وتطورًا في العالم، أن تتخفّى، أن تهرب، أن تناور، وأن تتحرّر من محاولات استهدافها وإخضاعها؟

مرة أخرى، يبدو أن إسرائيل تفشل في المعركة الأكثر تعقيدًا: التحكّم والسيطرة على الخطاب والصورة. فما الذي ينقصها حتى تحقق هذا الهدف؟ فلنسأل مجددًا: “أين نظرَت العين؟”. بالنسبة للعدو، نظرت العين إلى مكان واحد: الموقع الجغرافي للمقاتل، مستخدمة أهم التقنيات، لفرض الموقعَة الأحادية الجانب. هنا يمثّل الموقع الجغرافي موقعَ الهيمنة والمراقبة والقدرة على القتل. 

أما عين المُشاهد من طرف المقاومة، فنظرَت في نفس المكان الذي نظرت فيه عدسة الطائرة بدون طيار. “ماذا رأت؟”، رأت مقاتلًا يناور ويتابع عمله ويتحدّى الآلة التي تسيطر من السماء على مجمل الحيز المكاني. “ماذا رأت أيضًا؟” رأت أن المقاتل لم يركع، لم يتوسل، لم يستسلم. وهذا يقودنا إلى سؤال آخر: “أين تختار العين أن تنظر؟”. العين تختار أن تنظر إنطلاقًا من خلفية صاحبها. فإذا كان المُشاهِد واضحًا في خيارته، في خلفيته، فسيرى بوضوح ما ليس واضحًا في الإطار المحدّد الذي يدفع به ناشر الفيديو، أي العدو. يصبح واضحًا أن الفيديو هو “لمقاوم يناور ويتابع عمله ويتحدّى الآلة”… مقبل غير مدبر.

إن هذا التناظر القائم بين الرؤية والخلفية الفكرية للمشاهد هو ما سمح لعملية تحرير الصورة أن تتم بنجاح. فالعين اختارت أن تنظر انطلاقاً من خلفية ليست مهزومة.

رأينا التحرير هنا في مكانين في آن معًا. في التلاعب تقنياً بالصورة (مونتاج أو قص)، وتحريراً في المعنى والترميز. أي أن التحكم في الخطاب لا يعني فقط تحكم العدو بالصورة كمادة خام صوّرتها عدسته ونشرتها قنواته، بل يعني أيضًا التحكم بأرشيف المُشاهد-الجماعة التي تتلقى المواد وتعيد تنظيمها ثم إنتاجها ونشرها. فبمجرد أن استقر هذا المشهد في الذاكرة الجمعية لجمهور المقاومة، صار يُقرأ عبر معجمها الخاص. هذه الصور، التي أريدَ لها أن تكون دليلاً على إنجاز عسكري، تحوّلت إلى أيقونة إنسانية وسياسية تملِكها الذاكرة الشعبية.

ولهذا السبب، تُعدّ هذه الصور فرصة لكشف ما يحاول العدو إخفاءه، تصبح أداة مواجهة. فرصة لتوليد إمكانيات جديدة للرؤية والنقد.

*

أعود إلى السؤال الذي انطلق منه هذا النص: كيف يمكن إنتاج الثقافة في ظل المعجم الذي تفرضه هذه الصور؟ أعود إلى الجواب نفسه: العين تختار أين تنظر، وأنا أرفض العودة إلى المرسّم بطريقتي المعتادة، أرفض أن أتجاهل هذه الصور أو أن أنكر وجودها أو أن استهلكها بصمت، أو حتى أن أبحث عن ملاذات بصريّة آمنة أحتمي بها حتى إشعار آخَر. هذه الصور تطالب بفعل مضاد خارج نطاق احتجازها ضمن سياق غير فاعل. إن عملية التحرير التي قمنا بتحليلها – أي إعادة الترميز من قبل المشاهدين – تمنحني الآن مدخلاً للتعامل مع هذا المأزق وطرح آلية فنية مضادة. فهذه الصور حفظت لنفسها مكانًا أساسيًا في التاريخ والثقافة، ليس بوصفها دليل على حدث سياسي أو عسكري، بل لأنها مادة بصرية خام تكشف مأزقًا في الرؤية الجماعية، وتوكّد أن الجماليات لا تنتمي إلى الصورة بحدّ ذاتها، بل تكمن في الخلفية الفكرية التي تُقرأ منها هذه الصوَر. 

إذن، لهذه الأسباب، ونتيجة لهذه الخيارات، حدث شيء آخر، انظروا بتأنٍّ، أنظروا عن كثب، هذه الصور ملكٌ لنا الآن، هذه صوَرنا. بل يمكننا أن نجادل بأن إسرائيل لم تكن تمتلك هذه الصور أساسًا. يزداد فضولي هنا، كيف يمكن لهذه الصور أن تتخفى، أن تهرب، أن تناور، أن تحتمي، أن تتحرّر من محاولات استهدافها وإخضاعها؟ هي مجرّد صورة لإنسان وحيد في مواجهة عدسة طائرة بدون طيار تنتمي إلى آلة القتل الأكثر دمويّة في العالم. لا، ليست مجرّد صورة. وليست أداة للمحاججة في سياق نقاش محصور في ثنائية النصر أو الهزيمة. هي فرصة لإظهار ما يحاول العدو إخفاءه، بل مواجهته عبر نشر ثقافة يريد العدو طمسَها.