حوار مع طلال شتوي: زمن زياد بدأ عام 1977 ولن ينتهي
- نبدأ من البداية. ماذا تقول لنا طفولة زياد عن ما سيقوم به لاحقًا في حياته؟
حين سألتُه عن طفولته الأولى أجابني ضاحكًا: “ماذا تعني بـ طفولة أولى، أنا أعلم أن هناك طفولة واحدة” ، فقلت له إنها الطفولة الأولى التي تتفتح فيها الأحاسيس والمشاعر بشكل تلقائي. قال لي إنه كان وسط جو موسيقي كبير. كان البيت هو استوديو. كان البيانو يتبادله كلّ سكّان المنزل. حتى زياد كان ينتظر لكي يُسمح له بأن يستعمل أو يلعب على البيانو. والده عاصي ساهم بامتياز في مناداة زياد إلى الموسيقى. كان زياد يتفاجأ بأبيه حين يسأله بعد أن يعزف لحنًا ثم يغيّر اللحن بشكل طفيف، كان يتفاجأ بأن أباه يسأله “أياهما أفضل؟” وكان لا يعرف أي لحن هو الافضل ولا يمتلك الخبرة لكي يفرق بين اللحنين، فكان “يرمي” إجابته ليعقّب أبوه على خياره بـ “أصبت!”. من المؤكد أن عاصي كان يرغب بأن يكون ابنه موسيقياً. لم يكن أبداً معنياَ بأن يكون زياد طبيبا أو مهندسا أو أي شيء آخر. بمعنى آخر، زياد ترك التعليم تقريبا بموافقة أبيه. أما فيروز فكانت تعتبر أن الشهادات والدراسة الجامعية ضرورة وكانت تحض زياد على متابعتها باستمرار. لكن الذي انتصر في النهاية هو كسل زياد التعليمي وعبقريته الموسيقية.
- عنونت كتابك “زمن زياد”. ماذا تقصد بـ “زمن زياد”؟ متى بدأ ومتى انتهى؟ وهل هو مرتبط بجيل معيّن؟
زمن زياد بدأ عام 1977 عندما ترك منزله العائلي وبدأ ينتج موسيقى. أختارَ أن يعيش فيما يسمى آنذاك بيروت الغربية، تاركًا بيروت الشرقية التي ولد فيها وتلقّى علومه الأولى في مدارسها. عن هذا الحدث، أي مغادرته للمنزل العائلي، يقول زياد إنه اتخذ قراره أثناء حصار مخيم تل الزعتر، وكان يرى ما يحصل من شرفة بيت أهله في الرابية المطلّة على المخيم، وطبعاً كان بدأ يتابع ويقرأ الجرائد وأدرك أنه ليس مع كلّ ما يحصل. والمعروف أن تلّ الزعتر هي المجزرة التي تشارك فيها معظم المنخرطين في الحرب الأهلية. أنا اعتبرت أن زمن زياد بدأ عام 1977 لكني قلت أيضًا إنّ زمنه لا ينتهي. لم أربط زمنه بحدث موته. وزمن زياد لا بدّ سيكون له جزء ثانٍ لن أكتبه أنا، بل سيكتبه الجيل الجديد، وأنا لا زلت عند هذه الفكرة. زياد حين مات انتهى شيء وبدأ شيء آخر. انتهت الحياة الواقعية لزياد الرحباني وبدأت الحياة الفنية والثقافية لهذا العبقري الذي يجاور أهم المبدعين الذين جاؤوا الى هذه الارض.
- طيف الغياب يجتاح الناس بعد الحدث. الكلام الذي يردّدونه كما الصمت يشيران إلى “فراغ” يرافقهم بعد رحيله، فراغ يتّسع في صلب كيانهم. لماذا برأيك يبدو هذا الشعور عميقًا وشاملاً؟
هذا صحيح. رغم أن زياد توقف عن الإنتاج منذ سنوات، ورغم أنه غائب، ولم تكن أحواله الصحية والفنية متداولة، وغاب حتى عن اللقاءات التلفزيونية والصحفية، رغم كل ذلك فإن يقينهم بأن زياد موجود بيننا كان مبعث طمأنينة لهم. حين أتى الغياب، أتى صاعقاً، فأدرك هؤلاء أن زياد اختار أن يرحل بصمت وهذا ما يفسر الشعور الكبير بالفراغ. ترك زياد مقعدًا شاغرًا وسيبقى شاغرًا لوقت طويل في قلب كل إنسان أحبّه من كل الأجيال ومن كل الأعمار.
بالنسبة للناس، لم يمت زياد الجسد موتاً بطيئاً، أي حتى أنه لم يمرض بشكل كبير ولم تظهر عليه علامات المرض الأخيرة بشكل كبير إلا قبل سنة، وكنّا نعتقد دائماً بأنه سيتجاوزها كما يفعل دائماً. لكن…
- هل أن فراغًا مقابلًا أو خذلانًا مما تعرّض له زياد يمكن اعتباره جزءاً من هذه الخاتمة؟
حرصت ألّا أتحدث عن هذه المسألة سابقًا، ولكن الآن أقول نعم، خذلان زياد ليس أمرًا عابرًا، الخذلان الأول لزياد، أو ما أعتبره الموت الأول، كان عام 1993، مع مسرحيته “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”، التي حاول من خلالها أن يقدّم مرايا تعكس صور اللبنانيين في فصلها الأول. وفي فصلها الثاني قدّمَت نبوءة عن المكان الذي سيجد هذا المجتمع نفسه فيه في حال لم يتدارك الأمر. لكن الخذلان أتى لأن الجمهور كان يطالب زياد بأن يقلّد نفسه، بأن يقدم شيئا على غرار مسرحياته السابقة، فأتى التغيير الذي شاءه زياد خارج ذائقة الجمهور. وأنا أقول أكثر من ذلك. الجمهور إلى حد كبير لم يفهم، لكنه لم يقاطع زياد، بقيت المسرحية تشتغل وبقي مسرح البيكاديلي يعج بالمشاهدين لأنهم يحبّون زياد. ولكن هو أحسّ بأن هناك خذلان، وهذا ما جعله حزيناً. حين أجريت معه اللقاء لصالح تلفزيون المستقبل، أنا لم أكن أعمل في التلفزيون، أجريتُ اللقاء لصالح هذه المحطة، فوافق ثمّ حاول لاحقًا أن يتنصّل، وأنا أعرف لماذا حاول ان يتنصّل. لم يكن يريد أن يكون حاضرًا ضمن إطار المشروع السياسي لتلفزيون المستقبل. والجميع، وفي الطليعة النخب الثقافية التي تشتغل في الصحافة، كانوا قد اتخذوا قرارهم بالانخراط في أرض الأحلام على متن مشروع “الإعمار” ومشروع “السلام” و مشروع “هونغ كونغ”. كل الوعود التي جاء بها رفيق الحريري. هذا الموت تحقّق بعد “لولا فسحة الأمل” التي تعتبر تكملة لتلك المسرحية الأولى، ثمّ غاب زياد عن المسرح. مات المسرح عند زياد. والمسرح أساسي. المسرح هو الجمهور العريض. المسرح هو الذي كرّس زياد فنّان الشعب، فنّانًا شعبيًا بامتياز، ومسرحه شعبي، لا يُعجب المثقفين والمتمسرِحين وخرّيجي معهد الفنون، لكنه يعجب السواد الأعظم من الناس. بعد هذا الخذلان، عاش زياد خذلانًا آخر يتعلق بالتطورات السياسية في البلاد. ورأيناه كيف كان يغيب لفترات طويلة في بيته ثم يعود حاملاً تسويات مع المجتمع، حتى مع سياسيين لم يكن يخيّل لأحد أن من الممكن أن تربط زياد علاقة بهم. هذا خذلان من نوع آخر لأن زياد اضطُر لإجراء تسويات بعدما داهمه الضعف على مستويات عدّة. كانت تسويات علنية أمام الجمهور بهدف مُصالحة المجتمع ولأسباب أخرى، لكنها لم تكن تنازلات ولم تكن نتيجة ضغط أو مصلحة شخصية.
الموت الموسيقي أيضًا تحقّق أو أصاب زياد حين اقتصر إنتاجه الموسيقي على أغاني فيروز رغم أن هذا الإنتاج الذي غنته فيروز يمثل روعة موسيقية وشعرية. إلا أن زياد كان لديه مشروع موسيقي يحمل اسمه وحده ويكون عبارة عن موسيقى فقط. وقال لي قبل ذلك بكثير إنه لا يزال يحلم بمشروعه الموسيقي لكن ليس هناك أي منتج مهتم. وهذا طبيعي، فالمنتج اهتم حين كانت المسألة تتعلق بغناء السيدة فيروز.
أضيف إلى ذلك أن الخيارات ليست دائمًا خيارات بالمعنى المباشر. فأحيانًا تأخذ شكل القَدَر. لم يكن زياد ليترك فيروز وحدها حين غادرت عالمها الفني وبيتها والأخوين الرحباني، ولم تكن فيروز لتثق بأي موسيقي آخر غير ابنها. وهذا طبيعي، فالعلاقة بين الاثنين كانت متينة وبقيت دائمًا متينة بعكس ما يقوله البعض. وزياد أدرك أيضًا أن عمله مع فيروز سيحقّق له انتشارًا كبيرًا، وهذا أيضًا شيء حقيقي، انتشار لبناني وانتشار عربي وهو لا يمكن أن يتحقق مع مغنيّات تعاون معهن في فترات مختلفة.
- نعود دائمًا إلى موسيقى أو مسرحيات أو برامج زياد الإذاعية. نحفظها عن ظهر قلب. لا نكتفي. ماذا نريد؟ ماذا يعطينا زياد؟
لقد استطاع زياد الرحباني أن يرسم بمسرحه وموسيقاه وحتى ببرامجه الإذاعية صورة للمجتمع اللبناني، صورة جديدة للمجتمع اللبناني. ومع ذلك، حين سألته إن كان قد قرأ مسرحاً قال لا، وأن آخر ما قرأه عن المسرح كان على مقاعد الدراسة. ولكنه أخبرني أنه يستهوي القراءة في مجال علم النفس. وبعد الاطلاع على ما أنتجه زياد، يمكن أن نرى كيف كان مهتمًا بتشريح الشخصية اللبنانية بشكل كبير. يقولون دائمًا أن زياد يلملم كلامه من الشوارع، من الناس، وأنا هنا اختلف قليلًا مع هذه الفكرة لأن زياد لا يلملم، بل يعيد تأليف اللغة اللبنانية المحكية، بمعنى أن ما قيل على لسان زياد أصبح هو الشكل المتّبع الذي يحكيه الناس، اللهجة والنبرة والطريقة. أعاد تأليف اللغة اللبنانية المحكية. كلنا ذات يوم تحدّثنا بلهجة زياد من دون أن نشعر بذلك، ولا يزال كثيرون على هذه الحال. لقد استقرت هذه اللغة. سألته عن شخصية رشيد في “فيلم أميركي طويل”، وما زلنا نردّد ما تقوله هذه الشخصية بعد عقود، سألته عنه، فقال لي: “أحيانًا بنسى وبحكي متل رشيد”. ويشهد الذين عايشوه كيف كانت تتبدّل ملامحه في سهرة ويتحوّل إلى رشيد. وعندما حاورته لمدة أربعة أيام، كان صادقًا وحميمًا وحساسًا، وخجولاً.
- يظهر الغضب بوضوح في أعمال زياد المسرحية: الغضب في مواجهة المآسي، غضب زكريا “ما بدي روح عالخليج”، غضب الرفيق نزار “أنا حاطط 10 آلاف شهيد”، غضب الأستاذ عبد “شو هي هالمؤامرة؟”، وطبعا النسخة الساخرة في “غضب الأهالي” وشراويل الغضب في “شي فاشل”. متى تحوّل هذا الغضب عند زياد إلى يأس؟
أعمال زياد مرآة للمجتمع والأفراد في هذا المجتمع، ولكيفية تفاعلهم مع الأحداث وتلقيّهم للمتغيّرات وأحيانا مشاكلهم، أوضاعهم المالية، علاقتهم بالخليج والعمل في الخليج، علاقتهم بالسياحة والسيّاح، ولكنه لم يكن يسلّط الضوء فقط على هذه الأمور، بل يقول أيضاً إن هذه الطريقة توصل إلى تلك النتائج. وهو لم يخطئ أبدًا. باعتقادي، الغضب في مسرح زياد كان بمثابة الإنذار الذي كان يوجهه للجمهور، للناس. وتجلّى ذلك في مشهد مسرحية “لولا فسحة الأمل”، التي تنتهي بسقوط الممثلين (أي المواطنين) وصرخة زياد “يا أرض انشقّي وبلعيني”.
- قلت: “زياد إشكالي: يأخذنا إلى الإشكالية. حتى في موته كانت هناك إشكالية.” في جولة على المنشورات وتفاعل الناس مع خبر الوفاة، كما في الإعلام، نقرأ محاولات لإعادة تعريف زياد وإعادة كتابة تاريخه، كما لو أن هذه الأصوات تريد أن تقول “زياد هو لي فقط”. كيف تنظر إلى ذلك؟
كمّ الصور التي انتشرت على الانترنت لزياد مع ناس كصور تذكارية مهول، وفيها محاولة للقول إن زياد تربطه صداقات بهم. أمّا الكتابات أو “الحكي” سواء من الصحافة المحترفة أو الناس ما بعد موت زياد هي محاولة مبكرة كثيرًا، ومن الضروري ترك مسافة زمنية. ولا داعي للتعريف إلا إذا كانوا يوجّهون منشوراتهم إلى المجتمع العربي مثلاً. اللبنانيون “حافظين” زياد كلمة كلمة. يعرفون من هو ومتى ولد ومن هما أبوه وأمّه وما قدّمه وما لحّنه. أمّا الزحمة في الإعلام وفي شبكات التواصل الاجتماعي فتشبه الزحمة أو “العجقة” في صالون الكنيسة في المحيدثة، أثناء جنازته.
- هناك عامل مادي علينا التعامل معه في ما يخصّ “استهلاك” الإنتاج الفني في عصرنا هذا. أي أننا اعتدنا السّرعة، التنقّل الدائم، ضعف الذاكرة، والشهرة السريعة التي تخفت بشكل أسرع. في المقابل، أعمال زياد الرحباني الموسيقية أو المسرحية أو الإذاعية لم تتأثر بالوقت، بل ربما نضجت من جيل إلى جيل رغم أنها من وعَن زمن آخر. حتى يمكننا أن نقول إن الفئة التي تعرفت على زياد من الجيل الأخير هي أكبر من الفئة التي عايشته وشاهدت أعماله في المسارح. إلى أي حدّ تعتقد أن هذه العوامل المادية ستسهم أو تحدّ من انتشار أعماله في الفترة المقبلة؟
يبقى زياد متألقًأ. وجيل التسعينيات والألفية يملك معرفة وثقافة وأرشيفًا حول زياد أكبر وأوسع من الجيل الذي سبقه. وللإنترنت دور في ذلك. زياد عابرٌ للأجيال، وهذا أهم من أن يكون عابرًا للأحزاب والطوائف. لم يصبح زياد تراثًا بل سيكون فاتحة لأعمال تالية، وسيؤدّي المغنّون أغاني فيروز التي لحّنها زياد، بأساليب مختلفة. أنا واثق من ذلك. هناك أناس من الأجيال الجديدة ذهبوا إلى موسيقى فيروز وتعرّفوا إليها بسبب زياد. وهم أكثر من الذين أخذتهم فيروز إلى زياد. زياد أدخلها إلى العصر، إلى الأجيال الجديدة، بخطى ثابتة.
- كلمة أخيرة شخصية. قلت عن زياد بعد رحيله: “عاش زياد”، ماذا تقول لـ زياد الآن، بعد اللقاء الأول… وبعد اللقاء الأخير؟
كنت أرى زياد في شارع عبد العزيز الذي كنت أيضًا أسكن فيه. أي أننا كنّا جيران. وكان شخصًا خجولاً. اللقاء الأول مع زياد وجهًا لوجه كان أمام سينما مارينيان، وكان وسيط التعارف الشاعر جوزيف حرب. وكان ذلك في العام 1986.
ماذا أقول لزياد الآن؟ … أقول له بكل بساطة، ربما كان ذهابك من هذه الدنيا مؤشرًا لذهاب جيل. أنا أعرف يا زياد أنّك اخترت كل أشيائِك: الأمكنة والأزمنة والمطاعم والمقاهي والحانات، وصرت غريًبا، غريبًا محاطًا بالغرباء، فكان الرحيل بطاقة خلاص.
انتهى الحوار.
2 آب 2025






