ولي رئتانِ: ذاكرةٌ ومنفى
ألوج بين الحروف لألقى الله ما بينهم، ألوج أبحث عن معنى لا يحوي الشر الكريه. أبحث عن الغفران، عن السماح للوقت بفعل ما يعتاد عليه. أن لا أحكم عجينة الأحداث كما أريد، بل أترك الخبز في حينه. أسمح لبعض لحظات الصمت. أسمح بتنوّع الموسيقى لأعرف الحقيقة. أبارك في مسافات الوقت والمكان التي تعرّفني على نفسي. أغفر لك غيابك وفشلك، واستعيذ من كلّ مكانٍ غير مأهولٍ للحب. أغفر الشيب في الرأس لأعرف الأُلفة. أتعرّف على بساطة العيش في اللحظة والمكان والتفصيل بعيداً عن رغبة الألوهة. أغفر العودة المتكرّرة التي لا تنتهي بين مسافة الانعتاق وقرب الانتماء.
يقول الشاعر محمد عبد الباري:
“أمدُّ من السماءِ الآنَ حرفا… لشيطانيْنِ باسم اللهِ عاذا
وأهدي للبحار السبع مرفا… يكونُ لكل بحّارٍ ملاذا
سأخفي دائماً ما ليس يخفى… لتزدادَ المسافاتُ انتباذا
دمي المصبوبُ في وجعي المقفّى… سيهطلُ بين قرائي رذاذا
أنا عريُ الجدارِ… يريدُ سقفا… ويمتحنُ السماء: متى؟! وماذا؟!
ولي في الفتيةِ ال يبغونَ كهفا… مواقيتُ لمن لبّى وحاذى
ولي رئتانِ: ذاكرةٌ ومنفى..أضيفُ لهذهِ ما قالَ هذا!”
نبحث في تلك القفزات عن بعض الرذاذات من أمطار السموات وندى الأزهار. بعض الرقّة في سماع ما لا يُسمع في ضجيج الآلام ونواح الحزن. السيول التي تراعي جفاف المعنى والحرف. نُريد الاستماع إلى الأكوان ومُبتغاها. ألّا نقفز للكلمة دون حُسن صياغتها. أن نخلق كلامًا فيه من المعنى والحُلم الذي يروي قلوبنا الحائرة والعطشى.
يُكمل عبد الباري:
“تعبتُ من الثباتِ… أيا ثباتي… لقد آن الأوان لكي أسيلا
سأخرجُ من تلألؤ معجزاتي… فيا ليلَ النهايةِ كن طويلا
حمامٌ من سماء اللهِ آتِ… ليأخذني ويدخلني الهديلا”
أقنعةٌ لا تنتهي
يخبرنا باسم خندقجي في كتابه “قناع بلون السّماء” عن مهدي الشهديّ المناضل الذي يتسلّل من عائلةٍ من المناضلين وهو “بطل الانتفاضة وسيّد أزقّة المخيّم”… حين سُألوه فور خروجه من سجن الاحتلال عام 1995 “والآن ماذا ستفعل بعد ذبول الانتفاضة وحلول السلام علينا أو ما يشبهه بسلطةٍ وطنيّة، فأجابهم بصوتٍ مبحوح: قهوة وشاي.
حينذاك جُنّ جنون أمه على وحيدها، ولطمت وجهها بنعليها: هل جننت يا مهدي؟ أتفرّط بتاريخك النضاليّ ومعاناتك من السجن وفخر أبيك عليه الرحمة ببسطة شاي وقهوة يا ولدي؟
يردّ مهدي: قهوة وشاي يا أمّي.. قهوة وشاي وسحلب حليب.”
يُكمل خندقجي: ” قهوة وشاي.. هكذا قال لأمّه في الوقت الذي كان اسمه يهزّ المخيّم بماضيه الانتفاضي المجيد، متجنّبًا وقتًا نال فيه أصدقاؤه البائدون ورفاقه في النضال الغابرون المزايا والمرايا، والمناصب والمواكب والسيّارات الفارهة. باتوا مسؤولين، أمّا هو فلم يعد مسؤولاً سوى عن عربة الشاي والقهوة وسط ذهول أهل المخيّم، واقتناع بعضهم أنّ مهدي الشهديّ جُنّ في المعتقل، ولم يُشفَ بعد لكي يُدرك كيف يستثمر نضاله كما فعل غيره، غير أنّ ثمّة الكثيرين من أهل المخيّم احترموه أكثر، وقدّروا خلوَّ دمائه من الانتهازيّة والتجارة بالإرث النضاليّ.”
ماذا بعد؟
ننظر للحظة الــ”ما-بعد”. للقادم، رغم اقتناعي الكامل بتسلّسل الوقت وأننا في جوف المصيبة. ورغم تشاؤمي الحاد الذي أحبّ أن أحتفظ فيه بنفسي. فلا أرى هذا الفصل بين ما حدث وما يحدث وما سوف يحدث. أراني في عزلة الظُلمة التي ذُعِرَت مما حدث. أحقًا حدث؟ أم كانت أضغاث أحلام… وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين؟ أراني لا أعرف الفصل بين الحقيقة والوهم. وتسارع الأحداث في الوقت القليل. سنتين نجرّ أنفسنا في بُرك الدم ولا نفهم حقيقة التوحّش وكابوسه.
أرتّب الوقت. سنتان. أربع وعشرون شهرًا. سبعمائة وستة وأربعون يومًا تحديدًا. أكملت فيها كلّ مراحل العمر، عدّت إلى رحم أمي ثمّ تدرّجت فيها بطفولتي وبما يُسمى شبابي. راجعت فيها فلسطين جوفي. عدت فيها إلى كلّ الأراضي وأسمائها. أرتّب الوقت لوّ أننا لبثنا ثلاث مئة من سنين ازدادوا تسعًا. ولم نلبث يومًا أو بعض يوم. نحن أهل الكهف ونباح الكلاب.
عدت فينا للمسيح وأمومة العذراء. يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسيًا منسيا. جاء المخاض لجذع الرحم، يبتغي التوالد في عزّ الموت. أعود فيها لأخوتي وأيادينا الصغيرة. نحاكي تسلسل الزمن وأبتغي العودة إلى الولادة والولد والرحم. أبتغي العودة للبداية عبر ولدٍ يُعرّفني على تفاصيل البدايات من أوّل الوجود. أن أرى الذي خُفي عن عينيّ مع النضج وظلامه. أن أعرّفه على ما علمته وأن يُعلمني بما لا أعلمه.
نعيد ترتيب المعاني والأولويات عن أماكن أراضينا وتوجّهاتها. يلوح القلب بالوهم البعيد ويُسائل كلّ الأحلام ومُبتغاها. يبحث عن من يماثله في الحلم. عن من لم يرضَ عن هذا التوحّش. تأتي القفزة مع التخلّي عن كلّ التملّك. تقفز مع من يريد القفز معك. تعلم الوِجهة وتعلم الرغبة. وِجهةٌ مرعبةٌ وشبه مستحيلة. تبحث عن من يشاركك الحلم المستحيل. الحلم أنّ هذا الواقع ليس مطلقًا ولا ثابتًا كما هو. تبحث عن إتحاد المنشقين عن قوى الأمر الواقع. أرى في الإيمان بعضًا من الحلم، في الذين يؤمنون بعوالم ما بعد الجسد، بالأحلام والخيال المرتبط بالمادة. الذي يبذل الغالي والرخيص ليروي نبات قلبه الحالم.
أتحرّى أوراق القلب باحثةً عن التخلّي. التخلّي المطلق عن كل مُلك. أرجع لفيروز لتُرجعني إلى نفسي، فتقول:
“خدني ولا تاخدني… الفرح عَ الطريق.. حُبَّك بيحصدني… وما عندك رفيق
يا أمير السيف… وين أخدت الصيف… بشوفك وما بشوفك ضايِع بالضباب.”
تُكمل فيروز قائلة : “… وزغيرة الأميرة… وكبيرة البواب…”
أُردد نغماتها وأنا أُسائل حجم الأبواب وكبرها. نرث الحلم الأكبر مع ظهورنا الضعيفة. لربما أجسادها أكثر هزالةً من أن تحمل تلك الأحلام الثقيلة إلى الأبواب. أُسائل الأحجام والأوزان. حجم الهزيمة مقابل حجم الألم والحلم. لو أنهم أراطلٌ من اللحمة التي أستطيع وزنها. لربما هو وزنٌ لا نحمله فُرادى بلا جماعات. لربما الأبواب الكبيرة ستُفتح لا للأميرة الصغيرة بل لمن يشاركنا ثقل الواقع وألمه مع الرغبة الكبرى بالحلم. نبحث عن من يعلم حقيقة العار وملامحه ويرغب بمُسائلته وتناطحه. أعود للكلمة وزوال المعنى، وأعود لإيماني باللغة ومعانيها. أقفز لكل ما يُخبرني الحقيقة دون مُواربة. أقفز لمن يتخلّى عن الوهم المحال بعد كلّ هذا التوحش.


