قفزة الستينات: المرأة في مواجهة الكاميرا

شهدت ستينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة تحولات ثقافية تميّزت بتشكّل الموجة الثانية من الحركة النسوية، وحركة الثقافة المضادة والثورة الجنسية، تجسيدًا لتنامي مشاعر التمرد لدى جيل الشباب في تلك الحقبة. فالنساء بدأن يُشكّكن في الأدوار الجندرية التقليدية، وطالبن بمزيد من الاستقلال والمساواة في حياتهن الخاصة والعامة. ومثّلت موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) على استخدام حبوب منع الحمل آنذاك تحولاً جذرياً منحَ النساء سيطرة جديدة على أجسادهن ومستقبلهن، بينما بدأ تأثير ثقافة الجيل يظهر في تعريفات الموضة والفن والقيم الاجتماعية. 

عكست أغلفة مجلة فوغ في تلك الفترة هذه التيارات المتغيرة في المجتمع – فلم تعد النساء يصوّرن كمواضيع جمالية سلبية، بل نساء عصريّات واثقات بأنفسهنّ. يُلاحظ من أغلفة عام 1960 أن معظم العارضات (17 من أصل 20 غلاف) كنّ يحدّقن مباشرةً في عدسة الكاميرا كما لو كنّ يُحافظن على التواصل البصري، مما يُوحي بموقف يدلّ على المواجهة والحزم. كانت العارضات يتمتّعن ببشرة فاتحة، وحواجب رفيعة، وأجسام ممشوقة، وشعر متوسط ​​الطول، مع أحمر الشفاه باللون الأحمر. هذه العناصر البصرية، إلى جانب الوقفات الواثقة والنظرات المباشرة، توحي بتحول في تمثيل المرأة من شخصيات مطيعة في الخمسينيات، إلى شخصيات حازمة تجسّد روح التحرر التي ميزت الستينيات.

مارس 1960:

في غلاف العدد الصدار في مارس 1960، ترتدي العارضة ملابس العمل غير الرسمية أو ما يُعرَف بالـ business casual، وتضع حول عنقها عقدًا من اللؤلؤ وتحمل حقيبة يد جلدية. ما يلفت الانتباه أولًا هو نظرتها الجادة إذ يبدو أنها تحدق في الكاميرا وهي تشبك ذراعيها. وتبدو وقفتها متطلبة وحازمة. بشرتها فاتحة وجسمها رشيق. شعرها متوسط ​​الطول، حاجباها رفيعان، وتضع أحمر شفاه أحمر اللون.

يونيو 1960: 

في هذا العدد الصادر في يونيو 1960، نلاحظ لأول مرة أن عارضة الأزياء تقف ويداها على خصرها أو وركيها. هذه الوضعية عادةً ما تعني أن الشخص يُظهر ثقة بالنفس، أو أنه مستعد لاتخاد قرار ما، أو ربما أنه منزعج. شعرها متوسط ​​الطول، بشرتها فاتحة  وحاجبيها رفيعان، وأحمر الشفاه باللون العنّابي. تحدق العارضة مباشرةً في عدسة الكاميرا، وهو ما قد يدلّ أيضًا على ثقتها بنفسها وشخصيتها الحازمة. وهي ترتدي فستانًا يُمكن وصفه بأنه زيّ عصري.

اللافت في الغلاف أيضًا هو نَص العنوان الثاني؛ وتبدو العبارة وكأنها مُحفّز للقارئ. النص كالتالي: “كيف تتبع حمية غذائية إذا لم تكن لديك شخصية على الإطلاق” (How to diet if you have no character at all?). ماذا يمكن أن نستنتج من هذا العنوان؟ للوهلة الأولى، يبدو أنه يشير إلى مسألة “الشخصية القوية” وعلاقتها بالالتزام بخطة الحمية الغذائية كوسيلة لتحسين المظهر. كما أن في هذا العنوان دلالة على أهمية الحمية الغذائية، ما يفسّر الأسلوب التحفيزي فيه. عنوان رئيسي آخر يسأل: “ما هي المحادثة؟”. ويمكن تفسير هذا العنوان بأن هناك طريقة مُحددة يتوجّب على المرأة اتباعها خلال محادثة، وحيّزًا وأهدافًا يجب الالتزام بها. وربما وُضع هذا الموضوع في سياق آداب السلوك وإظهار الأناقة والرقي. عنوان ثالث يقول: “واحدة لا تكفي – ملابس صيفية يجب شراؤها بأعداد كبيرة”، في دلالة على ضرورة أن تنوّع المرأة ملابسها وتبدّلها باستمرار.

أغسطس 1960: 

في هذا العدد، تنظر عارضة الأزياء أيضًا بشكل مباشر باتجاه الكاميرا. العنوان الرئيسي: “ملابس للشباب الذين يُحدّدون الموضة”؛ المثير للاهتمام في هذا العنوان هو أنه يُشير إلى قدرة جيل الشباب على تحديد الموضة. تضع عارضة الأزياء يدها على جبينها، مما قد يوحي بأنها مسترخية أو مُتأملة. أيضًا، ترتدي العارضة زيّ يمكن وصفه بالأنيق. شعرها متوسط ​​الطول، بشرتها فاتحة، جسمها رشيق، وحاجباها رفيعان، وأحمر شفاهها لونه أحمر كلون طلاء أظافرها.

من منعطف الخمسينات إلى قفزة الستينات

أشرنا في المقال السابق في مجلة رحلة إلى أن النساء صُوَّرن في العام 1950 على أنهن أنيقات وراقيات. وإذا راجعنا غلاف شهر يوليو 1950، نجد أن العارضة تحمل كتابًا وتقرأه. بالإضافة إلى ذلك، ترتدي العارضات ملابس مستوحاة من نمط الحياة الباريسي. على سبيل المثال قبعة البيريه الحمراء من عدد نوفمبر 1950، كتشديد على الأناقة والطّلة العصرية والراقية. 

في 1960، بدت النساء أكثر حزمًا وثقة. كانت معظم عارضات الأزياء في ذلك العام ينظرن مباشرة باتجاه الكاميرا، كما لو كنّ يحافظن على التواصل البصري ويواجهن العدسة أو المتلقي. بالإضافة إلى ذلك، اتخذت بعض العارضات وضعية شبك اليدين أو وضعهما على الخصر أو الوركين والوقوف بثبات.

استنادًا إلى صور الغلاف التي تم تحليلها والمأخوذة من العام الأول من عقد الخميسينيات والستينيات، يظهر جليًّا التحول، لا بل القفزة في تمثيل المرأة. كان طول شعر عارضات مجلة فوغ في الخمسينيات قصيرًا في جميع الأغلفة؛ بينما في الستينيات، بدأ الشعر متوسط ​​الطول بالظهور على الأغلفة. علاوة على ذلك، في الخمسينيات، كان نظرات معظم العارضات في صور الغلاف منحرفة عن الكاميرا. أمّا في الستينيات، فكانت معظم العارضات (سبعة عشر من أصل عشرين غلافًا) ينظرن مباشرة إلى عدسة الكاميرا كما لو كنّ يحافظن على التواصل البصري. قد يشير هذا الاختلاف في اتجاه نظر العارضة إلى أن النساء أصبحن أكثر مواجهة و/أو حزمًا على مدار الفترة من الخمسينيات إلى الستينيات. وأخيرًا، لا ننسى أن جميع عارضات مجلة فوغ الصادرة في العامين 1950 و1960 كن يملكن بشرة فاتحة وجسم رشيق.