“أكاتون”: حين قفز “باسوليني” إلى ضفّة الشِعر

ومع ولادة السينما، ثم نشأتها في العقود الأولى من القرن العشرين، بدأت محاولات لوضع قواعد ترسي نظام أو لغة لها. حاجج بيير باولو بازوليني، كأحد رواد التنظير والممارسة في السينما، في حتمية الوصول إلى لغة سينمائية. وكما هو الحال لدى الطفل في سنواته الأولى، حين تتّحد الرؤية مع المعنى ـ أي أن ما يُرى هو نفسه ما يُفهم ـ سأل مخرجون ونقاد خلال مرحلة “طفولة” السينما ما إذا كان ما نراه على الشاشة والمعنى متّحدين.

ولادة: “سينما الشِعر”

بدأ بازوليني كتابة الشعر في سن السابعة، ثم التحق بكلية الآداب. وفي عام 1950 انتقل إلى روما مع والدته ليبدأ حياة جديدة في ضواحي عاصمة إيطاليا ما بعد الحرب. شكّل العام 1961 نقلة مهمة بالنسبة لبازوليني مع إخراجه أول فيلم روائي طويل بعنوان أكاتون (Accattone – فيتوريو الملقّب بالمتسوّل). تحدّث برناردو بيرتلوتشي عن تلك التجربة (كان مساعد المخرج) فقال: “كانت أول معانقتي للكاميرا حين كنت أراقب بيير باولو وهو يصوّر أكاتون. شعرت وكأنني أشهَدُ اختراع السينما. كانت تلك المرة الأولى التي أمسَكَ فيها بيير باولو بالكاميرا وتعامل معها، كما كانت المرة الأولى التي يطرح فيها أسئلة ومسائل متعلقة باللغة والأسلوب السينمائيين. لقد كانت لديه أفكار واضحة جداً في هذا الصدد. كان يتوق إلى سينما تتكوّن من صور ثابتة وبعض اللقطات المتنقلة. بدا كمن لم يدخل مدرسة قط، واضطر لاختراع الكتابة بنفسه”.

قفزة: “لنُرضي الجماهير”

يعالج فيلم أكاتون (1961) ثنائية الموت والحياة، خاصةً لدى طبقة البروليتاريا الرثة في روما التي ترى أن مصيرها الفناء المُبكر. الإحساس الداخلي بالموت يلازم الشخصية الرئيسية، أي أكاتون، منذ البداية: في المشهد الأول يناقش أكاتون وأصدقاؤه وفاة أحد رفاقهم لأنه قفز في النهر. وحين يقترح أكاتون أن يقفز بنفسه من أعلى الجسر ويحاول السباحة مثل صاحبه، يبدأ الحاضرون بالمزاح حول احتمال موته، ويسألونه عن الميراث، وعن نوع الجنازة التي يفضّلها… حديثهم الفكاهي لجهة الأسلوب يتناول موضوعًا تراجيديًا هو الموت، وكأنهم يقولون: ما عاد شيء يُرهبنا. قد يخيّل للمُشاهد أن الحوار بين الشخصيات إعادة تمثيل لقصّة الراقص على الحبل الذي يصادفه زردشت في كتاب نيتشه. يسير رجل على حبلٍ، يشاهده الناس بترقّب، يتوقعون أن يسقُط… يرقُص، حرًّا، متحرّرًا منهم، حتى لو كان الثمن أن يسقط لاحقًا. ينتصب الراقص كرمز ودال على توق الإنسان إلى السّمو. 

وكما كانت الشاعرية متاحة في الكتابة، أصبحت أيضًا ممكنة في لغة السينما. قبل أن يقفز من على الجسر، يقول أكاتون: “لنُرضي الجماهير”. في كلامه وفعله نوع من الشاعرية. فيه الواقعية كما الخيال. المسافة بين الجسر وسطح الماء هي المساحة التي تخلق المعنى: القفز، الموت، الانتصار، الجنون… الدال والمدلول. القفزة تبعده عن الآخرين، عن الجماهير التي ترغب في الإشباع الفوري. ومع ذلك لا يرى أكاتون نفسه بطلاً، لا يراه المخرج بازوليني بطلًا، بل يبقى مثلهم، إبن الطبقة العاملة الدنيا. 

إذن، أكاتون المتسوّل يريد أن يلمَع في عتمة الحياة مهما كلّفه ذلك. يلمَع أولاً بالقفز من على الجسر. ثم يحاول أن يلمع من خلال امرأة بعد أن أقنعها بأن تعمل في الجنس ليجني المال على حسابها. لكن الشرطة تعتقل المرأة. محاولاته كلها تبوء بالفشل. والفشل، وإن كان مصدر خزي، إلا أنه يجلب أيضاً القلق ويدفع إلى المزيد من المحاولات ثم الإخفاقات.

إذن، المشهد الافتتاحي يصوّر أكاتون يقفز من على جسر في فعل محفوف بالمخاطر، محاولاً إثبات شيء ما وربح رهانًا صغيرًا. التحوّل الحقيقي للإنسان لا يتم إلا عبر التماس مع الموت. أما عندما يحاول أكاتون العمل في وظيفة حقيقية، فإنه يفشل، لأنه غريب عن ذلك العالم، لا ينتمي إليه. ولذلك، القيامة الحقيقية أو البداية الجديدة لا تأتي إلا عبر الموت، وهو قدر البروليتاريا الرثّة التي تعيش في هذا العالم البائس. في المشهد الأخير، حين تصدمه سيارة، يقول أكاتون جملته الأخيرة : “آه، الآن أشعر أني بخير.”

موت: “الطبقة الدنيا”

الفيلم منذ بدايته، يطرح قضايا أو ثنائيات مثل العمل واللعب، الحياة والموت، العظمة والوضاعة، الحب والجنس، المغامرة والخسارة، وكيف يحرّك المال كل ذلك. يمكن أن نفهم الفيلم ليس فقط كحكاية عن شخصية تتحايل على الآخرين لتحقيق غاياتها ـ كما تقترح الصور والحبكة ـ بل كوعاء يحمل ثيمات مثل الموت والوحدة والخلاص واللاجدوى. وهذه الثيمات تعكس صراعاتنا الذاتية العميقة، وهي في الوقت ذاته الشغل الشاغل لللاوعي الجمعي والأساطير، التي تحاول عبر الرموز والفنون أن تقدم لنا أجوبة شافية على أسئلتنا الوجودية. وربما، يمكننا القول، أن نهاية أكاتون تلامس، بل تتوقع، نهاية بازوليني التراجيدية: الضرب المبرح حتى الموت ثم دهسه بسيارته وبشكل متعمد، بسبب أسلوب حياة وأفكار على نقيض مع ما يعممه النظام. ورغم فناء الجسد-الصورة، تبقى الفكرة-المعنى ساطعة.

المشهد أصبح أكثر وضوحًا، نرى الموت والرأسمالية، نرى الخلفية الماركسية في بازوليني، ونفهم النقاد الذين أزعجهم كيف تناول بازوليني الجانب الأخلاقي للطبقة العاملة والسرد والدوافع (motives). الـدافع في سرد الفيلم ينطلق من الموت، ذلك الهاجس الجماعي الذي يشكّل دوافع الأفراد في المجتمع وشخصيات الفيلم. والحياة والموت في النظام الرأسمالي مرتبطان بالمال، أي بلقمة العيش. ولذلك يُظهر بازوليني شخصيات الطبقات الفقيرة شاحبة، منحرفة، قلقة، ماكرة، عنيفة، وعدوانية. السبّب هو أنها أصيبت بعدوى الرأسمالية وصارت على شاكلتها، تفعل أي شيء لتحصيل المال. وعلى سبيل المثال، حين يعالج بازوليني في أفلامه ثيمة الجنس، فإنما يشير عبر هذا الرمز إلى هيمنة السلطة على الأجساد. ومن خلال رمزية الجسد ينقل واقع المجتمع الذي يتعرض للاستغلال. هذا هو المعنى الفكري للأحداث. وهكذا تكشف لنا السينما العالم وتناقضاته، بل تقدّم نقداً مباشراً للواقع.

في مقابلة أجريت معه لاحقًا، يقول بازوليني: “كان الجميع يعتقد أن عالم الطبقة الفقيرة الدنيا لم يعد موجوداً. لكن ماذا أفعل بعشرين مليوناً من أبنائها؟ أضعهم في معسكرات اعتقال؟ أرميهم في غرف الغاز؟ الموقف العام تجاه هذه الطبقة كان شبه عنصري، كما لو أن هؤلاء الناس ينتمون إلى مجتمع لم يعد موجوداً. كان يُقال إن الطبقة الدنيا كتاب قُرئ وانتهى. ومع ذلك، فهي لا تزال حيّة تماماً.”  من خلال الفيلم، قدّم بازوليني نقداً للطريقة التي يُنظر فيها إلى الطبقات الاجتماعية الفقيرة ـ أو بالأحرى، تُحجَب من قبل النُخَب وصانعي الثقافة والسياسات العامة. ومن خلال هذا النقد، أعادَ هذه الطبقة إلى الضوء لكي تشعّ، كما فعل مع أكاتون، بل جعل الكاميرا قريبة جداً من الشخصيات، بحيث نشعر بوجودهم المادي الملموس.  

إذن، يمكن القول إن السينما أو لغة السينما تقوم على طبيعة مزدوجة: فهي في الوقت نفسه لغة ذاتية وموضوعية، داخلية وخارجية، خاصة وعامة، تنطلق من المخرج وتتصل بالواقع. والجانبين الذاتي والموضوعي مترابطان إلى حدّ يصعب فصلهما، بل يجب إشراكهما معًا في أي تحليل نظري. على سبيل المثال، عاش بازوليني مع هؤلاء الناس في ضواحي روما، لكنه لم يكتفِ بنقل الواقع المادي إلى الشاشة بأسلوب موضوعي، بل كان حاضراً، لا بل معنيًا، في كيفية إيصال هذه الحياة المادية إلى المشاهدين، مانحاً إياها معنى ثقافياً ورمزياً: المال بوصفه الشرط الأساسي للحياة، والموت بوصفه النتيجة اليومية العادية للتهديد والخطر، والنتيجة الحتمية. ولكن بموازاة القدر المتمثل بالبؤس والموت، كان بازوليني يرفع عامة الناس إلى عتبة القداسة. 

والقداسة هنا ليست دينية، بل ثقافية ـ مثل الباستا الإيطالية. ومن خلال رموز القداسة هذه يصبح رجال الطبقة الفقيرة قديسين، أو يُبعثون من جديد. فأكاتون يقفز في الماء، لكنه ينجو على عكس ما ظنّ الجميع. هذه هي الذروة الشعرية في الفيلم. وكما أوضح بازوليني في حوار: “أياً كان الرمز المستخدم في الفيلم، فلا بد أن ينشأ من استخدام شيء واقعي. فصورة الشيء الواقعي هي التي تُستخدم للتعبير عن فكرة. بإظهار الشيء الواقعي، يتحول إلى شيء آخر”. ويتلاقي هذا الرأي مع نظرة أرسطو للفن في أنّ الصور التي تصنعها الفنون يجب أن تُعبّر عن ما هو موجود فعلًا في الطبيعة، وحتى لو كانت صورًا مثالية، عليها أن تمتلك عناصر إنسانية، واقعية تصنع التراجيديا. فبالنسبة لأرسطو، أن هدف المأساة هو إثارة الرعب والشفقة وبالتالي التأثير على إحداث عملية تطهير (catharsis) لهذه المشاعر.

هكذا حوّل بازوليني أكاتون الواقعي إلى رمز لمعاناة عشرين مليون فقير في بلده، معلقًا آماله على المُشاهد وقدرته على إدراك معنى الصورة. فبالنسبة له، يملك المتلقي (أي الجمهور) رصيدًا من المعرفة بالإشارة (signs) اكتسبها عبر حياته، حيث كوّن خزانًا من الصور من بيئته وواقعه. وكل صورة من هذه الصور تحمل معنى وواقعًا يمكن قراءتهما بسهولة، لأن كل إشارة تفسّر لحظة حياتية محددة. ومن خلال هذه الأمثلة اليومية، أراد بازوليني أن يثبت وجود لغة من الصور المشتركة بين الناس، (شيء يشبه الاركيتايب عند كارل يونغ) لغة قادرة على خلق فهم موحّد لدى شريحة واسعة منهم. وهي الأدوات نفسها التي يبدأ الطفل باستخدامها حين يرمّز الصور ويخلق المعنى، لإدراكه أن الآخرين سيفهمون قصده بما أنهم ينتمون إلى مجتمع واحد ويتشاركون لغة واحدة، سواء كانت منطوقة أو مرمّزة بصريًا. أن يفهموا لماذا قرّر أكاتون أن يقفز، لا بل أن يكونوا تواقين للقفز مثله.

مراجع: