ماذا كان “لورنز” ليفعل حتّى يرى؟

أحبَّ كلّ شيء بإمعان، ثابرَ في الحُبّ، افترضَ أنّه سما به، جعلهُ شيئًا مُضيئًا في رأسه، لأنّه ظنّهُ كذلك.
إلى حين، اختفى.
لقدِ اختفى بعدَ الإمعان، حتّى لَبدا الاختفاء أنّهُ نتيجةٌ تلقائيّةٌ له، إذ حضرَ دائمًا بعدَه بخُطوةٍ مباشرة، تدلّى منه، كأنّهُ يتمخّض عنه. لا أعلم إن كانت ملاحظتي دقيقة، أو أنّ عقلي يركّب سرديّته المُنحازة ضدّ شُحوح الأشياء ليبرّرها فلا يترك نفسه مفتوحًا على المجهول، مرعوبًا منه، مشلولًا بغمرِه، مسبّلًا أمامَ عُقمه.
لكن بملاحظةِ هذا النّمط، يُسمحُ للأشياءِ أن تتّخذَ شكلًا “منطقيًّا” ولو كان هذا المنطِق مُنحازًا، إلّا أنّه؛ “على أدّ عقلاتنا”.
إذًا، بطريقةٍ عشوائيّةٍ ربّما، ترتّبت بطريقةٍ ما – متأثّرةً بنظريّةِ العشوائيّة لـ”إدوارد لورنز” – جاءَ اختفاءُ الأشياء تابعًا للمثابرةِ في حُبّها.
أحبّ الله حتّى طها جسده من الوجد، فصمتَ الله صمتًا نهائيًّا وعقابيًّا، وأدار ظهرَه في الغيب: الله هو “حنظلةُ” العالمِ المُهترِئ من التّشوّه.
أحبّ أحدًا، فهجرَ البلاد.
أحبّ أو حاول أن يحبّ أحدًا آخر، فأحبّ الأخير غيره أمامَ عينه بعدَ ذلكَ تلقائيًّا.
أحبّ التّعلّم، حتّى أرادهُ مثلما يريدُهُ العلماء، فصار يخترعُ لهُ “زواريبَ” بأسئلةٍ دقيقةٍ غير منطقيّة لأنّه أمعنَ في تكبيرِهِ فاتّسعت رؤيته له بما لا يخدمُ تحصيله: تشظّى عقله أمامه.
أحبّ الأرض. ألّّه عناصرَها. رآها تسقطُ من السّماءِ لتكون. صارَ الشّعرُ مولودَها الصّغير ونتيجةً وحيدةً لوجودها فقط. تذهّبَ قمحُها في عينه أكثر من كونه ذهبيًّا. اخضرّت في ذهنه أكثر ممّا هي خضراء. ترامَت آفاقها في الدّم أبعد ممّا هي بين خطِّ الغروبِ والسّماء…
حتّى هوَت إلى لُعبةِ الموتِ والاستعمار الحديديّة الباردة والموحِشة.
أحبّ التّجرّدَ من الهُويّة، لأنّه وجودٌ بِكر، فيه إرادة مُطلقة، وحرّيّة في الاختيار – ولم يعلَم أنّ الاختيار يحصُلُ غالبًا فيما لا يظهرُ على السّطحِ من أذهاننا – حتّى صارَ يجدُ ترسّباتِ الهويّة محفورةً في أتفهِ التّجلّيّاتِ وأكثرِها حياديّةً عنِ التّصنيف، مثلَ إيماءاتِ اليد، ونظراتِ العين، وارتفاعِ الحاجب، وتأمّلاتِ الطّرقات…
ماذا يجب أن يعتبرَ ذلك؟
هل هذا الإمعان اشتغالٌ من أجلِ الأشياءِ أم محاربةٌ لها؟
إن أرادَ تفكيكَ ذلك فسيحملُ احتمالاتٍ عدّة:
١- إن كانَ الإمعان في الأشياء تدفّقٌ فيها، فإنّه يمشي معها إذًا.
٢- وإن كانَ الإمعانُ فيها محاربةٌ لها فإنّه يمشي ضدّها كي ينالَ منها.
في الاحتمالِ الأوّل، عندما يمشي معها وتختفي، فإنّها تتسرّب، مثل الماء.
في الاحتمال الآخر، عندما يحاربُها، فإنّما ذلك “يكونُ” بشراسةٍ، وهذهِ الشّراسة تُشبهُ خشونةَ الأسطحِ الّتي تجعلُ قوّةَ الاحتكاك في الفيزياء أكبرَ قيمة، فيُساهمُ ذلكَ في إبطاءِ الحركة أو إيقافِها. وهذا، إضافةً إلى العبثِ الجارِح، هو ما أشقى “سيزيف” في دفعِه صخرتَه إلى أعلى الجبل كعقابٍ مؤبّد.
ومن أجل ذلك، يلقي نظرةً على الخارج. يتحسّسُ وجودهم وتجلّيه، ويبحث بينهم عمّا ينكأ شيئًا فيه يُشبهُُ الذّات، مثلَ أن يسري شيءٌ ما في الدّم، أو يدوّي شيءٌ ما في العقل، لكنّ الأرض تدور بسُرعةٍ بحيثُ البحثُ فيها يشبهُ فعلَ الاحتضار، إذ لا شيء في العالم الخاوي، لذا البحثُ فيهِ مثلَ محاولة التّنفّس في مختبر منزوع الهواء لأجل التّجارب العلميّة.
في هذا المختبر، أشكالٌ كثيرةٌ تصبُّ تحثُّ خطاها نحو تلاشي الحضور، أي الحضور بخفّة، من أجلِ النّجاةِ بشراسة:
الاعتياد على أشكال الموت بعدَ تحوّله من مادّة واقعيّة تحدث فتثيرُ الأسئلةَ والصّدمة الأزليّة أمامه، إلى مادّة كيميائيّة تستفزّ العصب وتجعله ميتًا في حالِ غيابِ المنبّه له مثل الخطر. وذلك هروبٌ من الخطر عبرَ إصهارهِ فينا كجزء من الغريزة – الوجه الآخر للبقاء – واحتضانِه كحدوث مهمّ أمام الخواء الذي في العالم المترَف الذي دونَ الموت، والذي حضورُه الكثير خافِتٌ يشبهُ القليل من الغياب.
هذا يجعلُ ما بين أيدينا – في الموت المكثّف – صفرٌ أمام جريان الكوكب الصاخب وركضه الشّبقيّ إلى المجهول، ولا شيء في هذا الدّم الّذي يجري ببطءٍ وتأنٍّ في الرّعب في أجساد “الأقلّيّات” الغامرة للعالم “السّفليّ”، يتّصل بتيّارِ العالم المتدفّق المجنون.
وفي الجنون؛ تتصاعدُ محاولاتٌ للارتدادِ عن الثّقل المتجمّع في الشّوارع المدينيّة المعقّدة، إلى الخفّة الّتي نحاول تركيب أعينٍ لنا لنبصرَ أنّها ترفّع عن مادّيّات العيش، الّذي يجبُ أن يكونَ تجاربَ للعيش، ولكنْ، أمام شحوحه نحاربُهُ، ليكون غيابه مبرّرًا غيرَ جائر. هُنا نقولُ إنّ النُّسك هو الحياة وندعمه: حينَ يجوعُ القلب، ويغلي الدّم، يأكل من “أيّ” شيء، من “أيّ” رغبة، من “أيّ” تكرار، من “أيّ” شبعٍ سريع، ويجدُ في نهابةِ النّهار نفسه يأكل مزيدًا من الجوع، فتتّسع الفجوة في النفس كثغرة مثابِرة في الوجود. قد يصحُّ قليلٌ من هذا، ولكنّ كثيرُهُ كبحٌ لنُدرةِ الأشياء ولزوجتها أمام الاستهلاك لما هو أثقل من الحياة على الأرض. لكنّ النُّسّاك هربوا من مستنقعات العالم الأرضيّ، ومن تلطّخِ أيديهم بفروةِ العالم الموحِلة، فكيفَ يكونُ الاختفاء هنا غير هروبٍ من خواءٍ يضجّ بالتّكرار والسّرعة، إلى خواءٍ يضجّ باللّاشيء؟
وأمّا إن لم يكنِ الموتُ الكثيفُ قد نالَ من الأسئلةِ الّتي في الرّأس عن الأسبابِ الأولى من كلّ شيء، بل دعمه وعزّزه وزادَ منه، فسيطعمُ العالمُ الهوسَ في الرّأس، ويواظبُ على توسّعه، ليصيرَ مرضًا حديثًا مشخّصًا في مكاتب مغلقة: “مُصاب بالتّفكير الزّائد”.
ولكن أليس هذا المرض سؤالًا بدائيًّا مع ابتداء تفتّح العين على العالم، ثمّ صار مطرقةً في الخلفِ من الرّأس يتغيّرُ شكلُها وتتغذّى على البصر؟
هُنا، ربّما على شكلِ المرض أن يتغيّر، أن يعود خطوةً إلى الوراء، إلى خارج ما ترى العين في الواقع، ليعود إلى طفولته الأولى، لا لشيء، بل لغرضٍ يائس: أن يظنّ العقل أنّ ذلكَ تغييرٌ كونيّ، فيمعنُ في الأمل الكاذب – اليأس اليائس من نفسه.
إن مشينا الآن في المدينة – المكان المركّز من كلّ الصّراعات والأزمات إذ تصبُّ فيه الكتلة البشريّة من كلّ الهوامش – سنرى أشكالَ الهروب الّتي سبقت: الهروبُ من صراع الإمعانِ في حُبّ الأشياء مقابل محاربته، الهروبُ إلى الإمعان للاختفاء عن قساوةِ العيش، الهروبُ إلى المعيشة من الإمعان لأنّ الأشياء تداعت من بعده، الهروبُ من تعقيداتِ المحيط الّذي لم تساهم كلّ تقارير التّلفزة، وكتب التّاريخ، والتّحليلات السّياسيّة، والدّراسات بالأساليب العلميّة، أن تحدّد الخيط الأوّل من كلّ هذا الإبهام الّذي جعلَ الواقع تحفةً فنّيّةً من الإبداع في الفظاعة، ومن ثمّ أن تحدّد ترتيبًا واضحًا، نهائيًّا، وحاسمًا، لقوانين أودَت بنا إلى هذا الشّيء المثير للغثيان: الفوضى الرّاكدة والممتلئة بنفسها والّتي تشكّلت وصارت هويّة فلا تقبلُ المساس بها، فالمساسُ بها يعني أن نعرف السّبب الأوّل لها لنبدأ منه، فمن أين يبدأ هذا السّبب؟
هكذا، لم يكُن “لورنز” ليشتقَّ “نظريّة الفوضى” هذه لو كان عالمًا اجتماعيًّا في بيروت وضواحيها، أو في هذه البلاد الشّبيهة بمعسكرات الاعتقال. كانَ سيجدُ الواقعَ أكثرَ تعقيدًا من أن تكونَ فوضاهُ نتيجةَ ترتيبٍ ما في بداياتهِ الأولى.
وفي سورياليّة ما سيرى، سيصعب عليه أن يستجمع الفروقات الدّقيقة الّتي جعلت المصائر مفتوحة وعشوائيّة يستحيل التّنبّؤ بها، وجعلت الواقع معلّقًّا في حالةِ انتظار واستنفار، في وقتٍ تضيعُ فيه الجغرافيا، ويصيرُ الحاضر أجزاء صغيرة متنافرة لأنّه يمكن في أيّ لحظة أن تفصل بينها انعطافة تاريخيّة تقلب حياة أيّ أحد رأسًا على عقب، ويصير الجزء الّذي ما قبل ذلك لا يشبه في شيء الجزء الّذي بعدها.
وما سيصعب على “لورنز” أكثر، أنّ ما يراهُ ليسَ حقًّا ما يدركُه بالبصر، لأنّ ما يراه هو فقط نتيجة اختفاء العالم عن نفسه، وفوضى الشّوارع عن ما أرادها النّاس أن تكون، واختفاء النّاس عن أنفسهم، وعن ما أرادوه، وعن ما يهربونَ منه وإليه، وعن حالةِ محاربتهم الدّائمة ضدّ ما يريدونه لينالوا منه، وعن ما أمعنوا في حبّه فتمنّع، وتداعى، واختفى.
ما سيراهُ “لورنز” سيضعه في حيرةٍ من أمره تتوسّع، في بحثه عن الفروقات الدّقيقة الّتي تمخّض عنها هذا الجنون، في حين رآها بكلّ وضوح في توقّعاته للطّقس عندما غيّر بشكل لا يُذكر في الأرقامِ الّتي استعملها في توقّعه السّابق.
ولا يتعقّد الواقع نتيجةَ الأحداث على الأرض فقط، بل أيضًا نتيجة احتمالها، الذي – بقدرته الغريبة والمثيرة للتساؤل على التعوّد والتكيّف، والتي لا تنتهي عند أيّ حدّ – يتّخذ بها الإنسان صفة الألوهة التي تشترك معه في هذا الأمر بلامحدوديّة الاحتمالات، أي كما للآلهة قدرة مطلقة وولّادة لا يحدّها أي عنصر مادّيّ عن ممارستها وتوليدها وتصريفها وتحويلها والتّغيير من تجلّياتها، فإنّ للإنسان أيضًا قدرة على الفعل ذاته عندما يتطلّبُ بقاؤه – المتّصلُ بجنونِه وتغيّرِه النّفسيّ – التّكيّفَ.
فكيف سيكون النّظرُ إلى الواقع طريقةً لرؤيته إن كان هو نفسه متخفّيًا في عمليّة تحمّله، الّتي يقوم بها من يسكنونَ فيه؟
ما هو إلّا شوارع ضيّقة، محالّ متهالكة، بصريّّات، حركة بلهاء آليّة، تغطّي حقيقته الموازية للخارج، صامتة، معتكفة على اللّاجدوى وتهالك العالم على ركبتيه، تتصاعد فجأةً من ثقوب ظاهرة وصغيرة، مثل دخان سيجارة يدخّنها رجل نازح من قريته في أواخر عمره.

