الكنار… والاختفاء الأوّل
تقول أختي إنّه كان بلبلاً وليس كنارًا. وأُمّي تؤكّد لي أنّه كان كنارًا، وأنّ والدي لم يكن هو من وضعه في قفصٍ على شرفة منزلنا، بل شقيقي الأكبر. تخبرني أنّ والدي قد أحبّ الكنار كثيرًا، وكان يبغض حبس الطيور في الأقفاص، فقرّر يومًا أن يطلق سراح العصفور الصغير مدّعيًا أنّه انزلق من بين يديه.
أمّا أنا، فهكذا أذكر قصّة الكنار من منظور طفلة بعمر الستّ سنوات: كان أبي يعتني بكنارٍ أصفرٍ صغير، وضعه في قفصٍ على شرفة المنزل. كان يصطحبني يوميًّا إلى الشرفة، كي نُخرج الكنار من قفصه، وألتقطه بيدي لبضع دقائق. في المرّة الأخيرة التي حاول أبي إخراج الكنار من قفصه، هرب العصفور الأصفر من شرفتنا، وحطّ على شبّاك جارتنا. نادى أبي عليها، طالبًا منها الإمساك به، لكنّ العصفور الصغير كان أسرع منها. حلّق بعيدًا واختفى.
أذكر أنّ اختفاء الكنار قد أحزن والدي. كان قلقًا على العصفور الذي لم يعتد العيش خارج قفصه، العصفور الذي ظنّ أنّ حريّته في التحليق بعيدًا. أخبره الكبار أنّ عصافير الكنار دومًا ما تعود. طمأنوه: “سيغيب أيّامًا، ومن ثمّ يعود”. انتظرنا أنا وأبي الكنار عدّة أيّام، لكنّه لم يعد.
كانت هذه المرّة الأولى التي أتعرّف فيها على الاختفاء. المرّة الأولى التي أُدرك فيها أنّ هناك كائنات من لحمٍ ودمٍ تكون هنا، على مقربةٍ منّي، وفي ظروف ثوانٍ أو دقائق، قد يصبح من المستحيل لقاءها مرّةً أخرى.
بعد مرور عامٍ على حادثة الكنار الذي اختار الرحيل، كان عليّ مواجهة اختفاءٍ أثقل: فقدت أبي. الموت اختفاءٌ مجهولٌ أيضًا. أين يذهب الذين يموتون؟ لا أعلم، ولا يهمّني. المهمّ أنّهم يحفرون في قلبي فجواتٍ لا تُطمر أبدًا، مهما مرّ من الوقت على رحيلهم.
أذكر أنّني عرفت باختفاء أبي قبل أن يخبرني الكبار أنّه “ذهب إلى مكانٍ أفضل”. أذكر أنّني لم أنتظره كي يعود، كما انتظر هو كناره. بعد رحيله، وفي عدّة ليالٍ قاسية، تردّدت قصّة الكنار إليّ. تساءلت: إنْ كان أبي قد أحبّ كناره الأصفر، فلماذا يحزن لحريّته؟
كبرت، وكرّت مسبحة الاختفاءات. البعض غيّبه الموت، آخرون اختاروا الموت بأنفسهم، البعض قرّر الاختفاء من حياتي أنا فقط، كما أنّني بدوري اخترت الاختفاء من حياة البعض. مع كلّ اختفاء، تصبح الليالي أطول، والأسئلة أكثر، والفجوات أعمق… لم أفكّر يومًا بالأماكن التي يذهب إليها الذين يختفون، كلّ ما أفكّر به هو حياتي التي ستكمل بدونهم، قلبي الذي أصبح مثقلًا، والذكريات التي بتُّ أقتات عليها.
استلزم الأمر الكثير من الاختفاءات كي أدرك: لا يهمّ إن كان الكنار قد حلّق وسافر، ورأى خُضرة البلاد البعيدة وعجائبها، أم أنّه أُصيب بطلقةٍ من صيّادٍ جاهلٍ قاسي القلب… المهم أنّه اختفى من شرفتنا، وأنّ اختفاءه كان ثقيلًا على قلب والدي. تمامًا كما لم يهمّني إلى أين ذهب جميع الذين اختفوا، كلّ ما يهمّني هو قلبي الذي ينفطر مع كلّ اختفاءٍ جديد. مسار الذين يختفون، بالنسبة لي، ينتهي عند فعل الاختفاء، ومساري يُكمل بفجواتٍ حفرها اختفاؤهم.
بعد كلّ تلك الاختفاءات، جاءت الحرب، وأخفت الكثير أيضًا. من بين كلّ ما أخفته، أخفت معها نظرتي الورديّة البريئة إلى العالم والإنسانيّة، ونسخةً منّي أحببتها وتمسّكت بها. تمنّيت لو يكون ذلك خاتمة الاختفاءات. يا لها من أمنيّة مستحيلة!
فعل الاختفاء يحجب عنّا رؤية مصير فاعليه. أين يذهب الذين يختفون؟ ماذا يحصل لهم؟ ماذا يفعلون الآن؟ هذه جميعها أسئلة لا أُنهِك نفسي بمحاولة إيجاد إجابات عليها. أحيانًا أتمنّى فقط أن يكونوا بخير، ومن ثمّ أُذكّر نفسي بأنّني لست مجبورة أن أكون مثاليّة إلى هذا الحدّ، وأنّني أستطيع ببساطة أن أحزن على اختفائهم، وألعنه، وأشتمه، دون أن أتمنّى أيّ شيء.
ماذا يحدث لي أنا بعد كلّ هذه الاختفاءات؟ أنتظر الليل حتّى يدخل مرحلة الصمت، أخرج إلى الشرفة، وأبدأ بإشعال سيجارة تلو الأخرى. مع السجائر الأولى، أمتنّ إلى جميع الذين ما زالوا هنا، غير حاجبين عنّي رؤيتهم. ومع السجائر الأخيرة، أفكّر بكلّ الذين اختفوا، أشتاق إليهم، أتذكّر أحاديثهم وضحكاتهم، ثمّ أتذكّر نفسي، وضحكاتها أيضًا، فأحمل نفسي فورًا إلى السرير، قبل أن أستسلم إلى كلّ تلك الذكريات، فيثقل قلبي، ويصبح النهوض مستحيلًا.


