كلمنتينة

إلى أخي.
تتنمّل يداه على مقبضي الموتسيك تحت شمس العصر. يقود بنصف وعي. يسمح له جهازه العصبي الذي حفظ الطريق غيباً بالارتخاء، الإسراع والإبطاء، دونما قرار واعٍ منه. الموتسيك يقوده، الطريق تقودهما. طريق الطلعة إلى الجبل في الربيع جنّة صغيرة، وباستطاعته التركيز بشكل شبه خالص على جمال المنظر على جانبيه. يعجبه سقوط خيوط الشمس على ذراعيه إذ يمرّ موتسيكه في طريق مشجرة. تتلقّى الشجرات النور، فتحجب بعضه عنه وتسمح لبقيّته بالمرور من خلالها وبينها، إليه. يلحَظُ جسمه يضيء ويظلِم على التوالي: ضوء، ظلّ، ضوء، ظلّ، كأنه في نادي تكنو. لعبةٌ بينه وبين الشمس والشجرات والحركة، إيقاعها السرعة التي يحددها هو. وللحظة، يبدو له أن عناصر الطبيعة تحت إمرته، إذا “كبس” أو أبطأ، تنصاع له. الشمس والظلّ والشجرات والهواء، كلها تتغير طوعَ هواه.
لكنّه لم يغير شيئًا واحدًا. كانت الدنيا أحلى لأنه تركَ نفسه يُقاد، لأن العناصر رقصت حوله ولم تطالبه بالمزيد.
هذا وقتُ له وحده. لم يعد تحت، في الضاحية، حيث زملاء العمل الثقيلون والدوام الذي لا ينتهي، ولم يصل إلى فوق، إلى الجبل، حيث يضطر للحكي وافتعال الاستجابات قبل أن يغلق باب غرفته على نفسه. هو ما بين، طيّار، حيث لا يمكن الإمساك به. هو غير موجود. خارج السمَع، خارج الخدمة.
إلى أنْ رآها.
سحَبَته هيَ من لحظة ارتخائه إلى انتباه تام. تذكّر نفسه، تذكّر أنه هو خلف المقود، فقرر أن يخفف السرعة وبدأ يركن عجلاته على جنب الطريق. وكانت هيَ، شجرة الكلمنتين، أجمل عن قرب.
دوائر برتقالية صغيرة موزّعة بين كتلٍ من الخَضار. لا بدّ أنه رأى عشرات مثلها من قَبل، حتى أنه على سبيل الهواية غرس وزرع مثيلاتها وشهد بسرور أولى ثمارها. لكنّ هذه غير. هذه كأنها نادته إليها. لعلّ أخضرَ الطريق في الربيع طغى، فأحبّ مفاجأة اللون الحامي تحت شمسٍ تستعدّ للسقوط. ربما. لم يخطر له أن يعقلِن افتتانه بها. انقادَ فقط خلف قوة جاذِبة خفيّة دعته إلى الشجرة، كأنما آنسَ ناراً فوق العليقة.
وهو لبّى النداء. ذهب إليها وقرر على الفور: لن أبرح مكاني حتى أقطف منها كلمنتينة وألتهمها.
مدّ يده. لا شيء. الغصن أبعد مما يبدو عليه. مدّ جذعه، شدّ عنقه حتى آلمه ذلك. لا شيء. أعجبه التحدّي. سيصل يعني سيصل. تخيّل رائحة الكلمنتين تنفجر من الكبسولات البرتقالية ما إن يقبّ عنها حجابُ القشرة، فسال لعابه. وجد على الشجرة موطئ قدمٍ مناسب. هذا هو، درجٌ إلى جنّة النعيم، إلى الثمرة المباركة. قاب قوسين أو أدنى. تشجّع، رفع قدماً ليتسلّق، وقبل أن ينهض بوزنه…
“هُووو؟ شو عم تعمل؟”
التفت إلى مصدر الصوت خلفه، وخُيّل إليه أنه سمع برجاً ينهار في داخله إثر هذا التدخل الوقح.. وقعت عيناه فوراً على رجلٍ غريبٍ يناديه من شباك سيارته المفتوح: “شو عم تعمل هون، هي أرض خاصة”.
بلى، إنه صوت انهيار. كان صرحاً من خَيال أسقطه ذلك الصرير الذي خمش صفاء هذا الغروب الخاص. الخاص جداً. سمّم الحلم، خنقَ المخيّلة، نزع اللحظة. كان قريباً جداً من إدراك أن تلك كانت أسعد وأجمل لحظات عمرِه، إلى أن ظهر سليل الإقطاع ذاك.
والآن، خلص. هوى مِن الداخل. هَوى فعلاً. كان على وشك أن يمتلك الدنيا حتّى سرقها منه وضيعٌ لا يفهم فِتنةَ البرتقال. راح كلّ شيء، ولم يبقَ إلا الغضب.
كلّ شيء صار ضباباً مذّاك. لم يدرِ كيف نزل عن الشجرة ومَن حرّكه وكيف، لكنه رأى شخصاً يفرد أكتافه، يشبّ ويركض لاهثاً نحو الرجل في السيارة، وكان هذا الشخص هو. كان كأنما انفصل عن ذاته ورأى نفسه من بعيد. هو واقف حدّ الشجرة، يراقب نفسه منطلِقاً نحو عدوّه الذي عرفه منذ لحظة. ولا بدّ أنه هو مَن كانَ يُصدِر تلكَ الأصوات العجيبة أيضاً، لكنه لم يعرف صوته. رأى من بعيد وعن قريب عيون رجُل السيارة وقد ملأتها الصدمة، ثمّ الرعب.
كلّ هذا في ضباب لحظةٍ واحدة.
ثمّ ماذا؟ ثمّ بوف. حطّم جسمه على هيكل السيارة. ركلة، ركلتان، ثلاثة، متتاليات على الباب الأمامي للسائق المذهول الذي أدار المحرّك بيدين هلاميتين وانطلق مسرعاً على الطريق الخالي.
أما هو، فلم يشعر بغضبه يصغر حجماً، لكنه كان يتحوّل. أُنهِكَ جسمه فجأة. نظر إلى يديه فرآهما تنبضان بارتعاش خفيف. نظر إلى الشجرة فلم يجد نفسه واقفاً هناك. كان كله هنا، فمشى عائداً إليها، متثاقلاً، مصرّاً على الحصول على الثمرة.
هذه المرة، تسلق الشجرة بيسر، تدحرجت الكلمنتينة في كفه دون عناء، ونزل مكتفياً بواحدة. هذه هي. كلّ المراد. رفعها إلى خيط الشمس الأخير وامتلأ بشعورٍ غامض. وإذ شعر بقلبه يخفق أسرع، قرر أن يهمّ بالرحيل قبل أن يداهمه الشعور ويغمره.
مشى باتجاه الموتسيك على رأس الطريق مقشّراً حبة الكلمنتين، محاولاً عدم التفكير بما حدث منذ لحظات.التهم حزّاً من الثمرة، ثمّ حِزَّين معاً.
يَعْ. ما هذا؟ سيئة. سيئة جداً. ما بتتاكل.
رماها وطلع على العجلة الميكانيكية، شعّل المحرّك وانطلق. كان قرص الشمس قد سقط، ومعه سقط السحر.
شعر الشاب أنه فهمَ شيئاً مهمّاً، لكنه لم يملك أي كلمة أو فكرة يمكن أن تفسّر لأي آخرٍ ماذا فهم. عندما أدرك أنه لن يستطيع تفسيره، غلبه حزنٌ عميق.
موتسيك وشاب وأفق. لقد شاهدتُ أفلاماً مِن قَبل. أعرف أن هذه الخلطة تعني شيئاً واحداً، دائماً. سيدير الشاب ظهره للعالَم ويختفي في الأفق. سيسألون عنه سرّاً وعلانية ويصير أسطورتهم الخاصة.
لكنني أنا شهدتُ اللحظة. كنت هناك في الزاوية البعيدة ورأيت المشهد من أوّله إلى آخره.
فهمت قليلاً، وإن لم أفهم كلّ شيء. وإذا عدتُ رأيتك يوماً ما، سأقول لكَ إنني فهمت. وإن قليلاً.
أردتُ القول… اطمئنّ. لا مجالَ للشكّ. كلّ الأمور على وشك الانفجار. كلّ الأمور على وشك السكون.

