أشباحٌ تسعى وراء رغباتٍ شبحية

النسخة الانجليزية

البابُ أمامي تُرك مواربًا. نظرةٌ خاطفةٌ عبره لا تكفي لأتبين ما الذي أنظر إليه حقًا. مظلمٌ جدًا، ربما طاولة، وبالتأكيد بعض الكراسي. مصباحي اليدوي لا يمنحني الكثير، لكنه أفضل فرصة لديّ. ضربةٌ على مؤخرة العصا تعيد تموضع البطاريات لتُطلق شعاعًا خافتًا من الضوء. إنها بالتأكيد طاولة طعام، أو ما كانت عليه ذات يوم. صدرُ الطاولة يبدو منهوبًا، وقد دُفع المفرش إلى الخلف لإفساح المجال لأسلاكٍ متشابكةٍ وجهاز كمبيوتر محمول موصولٍ بشاشةٍ ثانية. إنه يعمل؛ أزيزُ معالجه يعلن عن نفسه. من جلس أمامه أنجز أمر مقعده بسرعة، فمسند ظهره مهترئٌ ومنحني. المكتبُ مغطّى بالنفايات: أغلفة شوكولاتة، أكواب بلاستيكية ببقايا سائلٍ في قاعها، جلدٌ ميت… أهذه… علامات؟ خدوشُ قط؟ منتظمةٌ أكثر من اللازم، لا أثر لفرو حيوان، والكثير من الشعر الجامح.

الممر قصير أمامي، لكن على الجدار إلى يميني خزائن تُحيط بالغرفة وتلتوي مع الزاوية، وأمامي مباشرةً، حيث يفترض أن يكون باب، فتحةٌ صغيرة بجواره. كلّ واحدةٍ منها مملوءة بكتبٍ لم أسمع بها قط، بلغةٍ لا أفهمها، محفوظة خلف زجاج. بعضها يبدو مقدّسًا، أؤكد لك ذلك. تلتقط ومضة مصباحي صورةً ضخمة لزوجين متزوّجين بينما تتبع عيناي الوميض بين رفّين. العريس يبتسم من الأذن إلى الأذن. العروس تحدّق بي. عابسة؟ رفّ الكتب في نهاية الممرّ يجذبني نحوه. مزيدٌ من العرسان السعداء والزوجات المكلومات. إلى يميني باب، وحين أخرج ألمح المساحة خلف رفّ الكتب. هناك سرير، ولا أحد ينام فيه. أقبض على مصباحي بإحكامٍ أكبر وأنا أدخل الغرفة التالية. كلّ شيء هنا أخفض بكثير إلى الأرض. الرؤية تتحسّن بشكلٍ ملحوظ إذ ينساب ضوءٌ سماويّ من الخارج عبر النوافذ، لكن عليّ أن أغادر. أشقّ طريقي متجاوزًا مجموعة من الأرائك. وفوقها مباشرةً مزيدٌ من الصور. لا، لوحات. طيورٌ في أقفاصٍ بلا فتحات. هذه الغرفة شاسعة، الأمر يفوق الاحتمال. بصري مذعور، لكن أظنّ أنني أميّز بابًا في أقصاها. هذه فرصتي الوحيدة.

ماذا يشتهي الشبح؟ أو بالأحرى، ماذا يدلّ حضورُ الشبح لأولئك الذين يطاردهم؟ أسهلُ طريقةٍ للحديث عن الأشباح وسواها من الأطياف أن نبدأ بسرد تجربتنا الشخصية معها، ثم نتصالح، أو لا نتصالح، مع حقيقة أنك تعيش في بيتٍ مسكون. بيتُ جدّتي مسكونٌ بحضورٍ معيّن صرتُ أفهمه بوصفه خالو محمد من الآن فصاعدًا. لستُ متأكدًا من سبب وفاته، ولا أرغب في طرح الكثير من الأسئلة. ما أعرفه أنّه، بطريقةٍ ما، وجد طريقه عائدًا إلى بيت أخته، واتّخذ فيه إقامة. في الحقيقة، لستُ واثقًا إن كان أحدٌ سواي واعيًا لحضوره، لكنه بالتأكيد واعٍ لحضورنا. خلال السنوات الثماني التي عشتُها في بيت تيتا، لاحظتُ حالاتٍ عديدة حاول فيها أن يُعلن عن نفسه، كلّها في الساعات التي تعقب نوم الجميع: ظلّ يظهر في العتمة، إحساسٌ بأنني مُراقَب، إلى حدّ أن عينيه الصغيرتين اللامعتين كانتا تبرقان في الفراغ بين إطارات الأبواب. أشعر وكأنني مطارد (hunted) بقدر ما أنا مسكون (haunted). ومع أنّ المطاردة تعبيرٌ عن رغبة، فأنا لستُ طعامًا ولا طريدةً ولا لعبة، مجرّد رفيق سكنٍ سيّئ الحظ. وفوق ذلك، فهو ليس روحًا شريرة. فماذا يريد إذًا؟

في عوالم الافتراضي والفعلي، الأشباح هي الكيانات التي تظلّ عالقةً بينهما، ليست هنا جسديًا ومع ذلك تؤثّر فيه. يكتب مارك فيشر عن “الهونتولوجيا” بوصفها “فاعلية الافتراضي، حيث يُفهَم الطيف لا كشيءٍ خارقٍ للطبيعة، بل كذاك الذي يعمل من دون أن يوجد (جسديًا)”. وبينما تمنح الهونتولوجيا امتيازًا للطيف بوصفه مجازًا تاريخيًا، فإن حضور شبحٍ متجسّد يستحقّ بحثًا خاصًا، وأيّ مكانٍ أفضل لصيد الأشباح من البيوت المسكونة؟ بل لن نحدّد البيوت المسكونة؛ أيُّ بيتٍ يصلح للأمر. لا أريد أن أُطلق تعميماتٍ حول ما الذي يدعو شبحًا للعودة إلى بيتٍ بعينه، بصرف النظر عن “الأعمال غير المنجزة”، لكن يبدو لي أن بيوت أجدادنا مساكن ممتازة لما هو خارق. خضتُ عبر السنوات أحاديث كثيرة مع أصدقاء وأقارب بشأنها، ويبدو أن هناك اتفاقًا عامًا على أن ثمة خللًا في هذه البيوت، برودة، خرابًا، انعدامًا للقداسة. اقضِ أيّ وقتٍ بعد منتصف الليل، وسكّان الجدران يخرجون للعب. أظنّ أن الجاذبية هنا تعود جزئيًا إلى العنف المخبوز في ألواح الأرضيات والخرسانة، في الأرض ذاتها التي شُيّد عليها المكان وتفاقم بفعل من أقاموا ويقيمون فيه. إنه عنفٌ بطيءٌ متثاقل لا يبدأ بالعائلة النووية في هيمنة النيوليبرالية، ولا بالتحكّم الأبوي في استقلال النساء، ولا بتحويل الأطفال إلى ملكية. انزع طبقات التجريد، وستنتهي إلى إحدى مؤسساتنا الأولى: الملكية الخاصة. استخراج الموارد وتراكم رأس المال المنقول عبر الإرث الأبوي يضعان الشروط والأحكام ليجد الموتى مكانًا يقيمون فيه. لعلّ هذا ما يفسّر مصادفتنا للأشباح في المباني المهجورة وكثرة حكايات أشباح الأرستقراطيين، ومع استمرار خصخصة المعلومات في المجال الرقمي، فإنها تجد نفسها هناك أيضًا.

شبح خالو محمد ليس شخصيةً شاذّة. لا يبدو لي ظهوره اعتباطيًا، بل ناتجًا عن عنف عائلتي من جهة الأم. إن حضور الشبح يدلّ على سلوكٍ عَرَضيّ مرتبط بالحدث-الصدمة، غير أن التواجد في حضرة طيفه، أي في لقاء خارق للطبيعة، هو بمثابة مواجهة، بل معالجة، لهذا الانقطاع.