القتلة مختبئون جميعاً، في آنية زهور

“أيتها الفرس الوردة
كلّ الأيدي تمتد لك الآن
بآنية زهور.
وصلتْ أو لم تصل النجدة
كوني وردتنا
أيتها الوردة
ماؤك ينبع في كيس الرمل.
شرايينك في كيس الرمل
جذور.
يسقط رأسك لو يغرس
في آنية زهور.
القتلة مختبئون جميعاً
في آنية زهور.”

القتلة مختبئون جميعاً، في آنية زهور. أرجع إلى السموم في العُسول. في التمظهرات التي خدعتنا بعسلها المغشوش. نتكلّم مرارًا عن الوهم المندثر، عن الأكاذيب التي ما عادت تجدي نفعًاً. تأتي نحلةٌ وهي تلقّح في مياسم الورد. نرفض السموم، ما عادت الأقنعة الكاذبة تجذبنا. أصبحنا نرى الأشياء على حقيقتها. لطالما أخبرنا حدسنا أنّ هذا العالم مبنيٌّ على الشرّ المطلق. على سلطان المال المجموع ضمن شياطين شرّ البشر. ولطالما أخبرتنا قلوبنا أنّ هذا الشرّ حق. ولطالما تمت مواجهتنا بمنطق “العقلنة” و”التحليل” الذي أراد الإثبات والدليل على حدسنا. وقد كان هذا “العقل” هو السمّ في العسل بعينه.

أرجع إلى العلم والمعرفة قليلًا. وإلى مصادر المعرفة. هل أسمع عقلي أم قلبي؟ لطالما أثبتت الأيّام لي أنّ في قلبي حقيقةً لن يصل إليها عقلي. وأنّ في الشعور سرًّا من القوّة يتجاوز حدود العقل، ولو أفنى قرنًا في السعي إليه. بتّ أكره التعقلن. وأكره كلّ من يُخرس صوت مشاعري بصوت العقل. وكأنه لا يكمن في الشعور أيّ صوتٍ أو دليل.

أرجع إلى بيروت كلّ يوم. إلى البيت تحديدًا. وإلى الموروث المُحاط بالشوارع. أذكر جدتي الكبرى، وأستذكر بيتها وأثاثها. سكنت مريم في طريق الجديدة، في شارع الحوري تحديدًا. سٌمي الشارع تيمناً بزوجها، راشد الحوري. أراجع الجداول الزمنيّة. سكنت مريم في شارع الحوري في الثمانينات وما قبلها حتى وفاتها. أراجع الزمن مجددًا. يبعد شارع الحوري خمس دقائق عن مخيّم صبرا وشاتيلا. ثمانينات. صبرا وشاتيلا. أندهش. هل عاشت مريم المجزرة؟ تخبرني أمي أن الدبابة الإسرائيلية بلغت شارع الحوري حين قررت مريم اللجوء إلى خارج المنطقة. تخبرني أيضًا أن ابن خالتها، عمر – كان مسعفًا في الاجتياح. عمو عمر؟ كان مسعفًا؟ صبرا وشاتيلا؟ أندهش، ليس استغرابًا من تقاطع الخاص بالعام – بل من عدم ربطي الأمكنة مع الأزمنة والأشخاص.

أرجع إلى جدي وجدتي، أحاورهما عن أماكن السفر- تذكرعمّان صُدفةً. أسأل جدّي إذا زارها. يخبرني أنه ذهب إليها ثم زار القدس أيضًا. يُخبرني أنه صلّى في المسجد الأقصى. أغار كثيرًا وأندهش مجددًا. يُذكّرني أننا كنّا نستطيع الوصول إلى القدس قبل السبع والستين. معلوماتٌ كنت أعلمها تمام العلم، ولم أصلها بمن حولي. تخبرني جدتي عن شهر العسل الذي قضاه أخاها في رام الله مع زوجته. أندهش مجددًا. وأصرخ ممازحةً: “ليش ما حدن خبرني هالمعلومات قبل؟” يضحك الجميع، “ما خطر عبالنا”.

إذا أردنا التكلّم عن الإختفاء أو الاختباء، فإنّ اختفاء الحقيقة يكمن في الذاكرة. بالقصص المُخبّأة بين قلوب الشخوص التي تحيطنا. بالتفاصيل التي يظنّ البعض أنها بديهية لكن واجبنا يكمن في استئصالها. بوصل الأجيال مع جغرافيتهم، ودوام السؤال عمّا حدث. بالإشارة دائمًا إلى أنّ العاديّ في عيوننا قد يكون مُدهشًا في عيون الآخرين. بتوضيح الزمن وأحداثه ودوام الانجرار إلى السؤال اللامحدود، أين كنتم وكيف ذهبتم وأين أصبحتم؟

وليس من الضروري أن تكمن الذاكرة في الماضي البعيد الغابر، بل قد تكون ضرورتها في حاضرها – فيما نعيشه حالًا في هذه اللحظة. أن نروي وأن نحفظ وأن نسأل وأن نسمع. أن نُشغل كلّ الحواس في الحاضر المُعاش للبناء عليه. أن نرفض تنويم اللحظة والانتباه والشعور فيما لا يسمن ولا يغني من جوع. أن لا نَسكَر في غيابة الجبّ لتخدير الألم.

يكتب معين بسيسو في كتابه “٨٨ يوماً خلف متاريس بيروت” عن العوالم بين لبنان في فلسطين. يذهب إلى بيروت وإلى الأوزاعي تحديدًا. فيقول: ” هذه هي الأوزاعي الجديدة، أمواج البحر لا يزال يفوح منها الدخان. الأنقاض تتناثر هنا وهناك على الجانبين، ولكنّك تحس أنّ أصواتًا لا تزال تأتي منها. هناك أطفال يلعبون. والإسفلت حرثته الطائرات الإسرائيلية، العدو يساهم في عملية التحصين. رأيت أكثر من حفرة عرضها متران. وعمقها متر. إنها المطلوب تماماً بالنسبة إلى المقاتل.

الآن قف. وقدم التحية. هذا هو برج الرمل الأول، الذي تترامى وراءه أبراج الرمال. مجموعات المقاتلين تجمد هدير البحر فوق وجوهها.

هل يعرف هؤلاء المقاتلون وراء أبراج الرمال من هم الآن، ومن سيكونون في المستقبل؟”

لعلّ أكثر ما يكمن في لوعة المهاجر المُغترب هو الشوق إلى البحر. إلى زُرقة المتوسط تحديدًا. إذ أنّ أزرق المتوسط يختلف تمام الإختلاف عن زُرقة الأطلسي مثلًا. الأطلسي رمادي وميت، وفيه الكثير من الغموض المُخيف ورعبه الكبير يكمن في حجمه. أمّا متوسطتنا الجميل، ورغم المآسي التي تحويه من قوارب الهجرة المُميتة – فيه من الحياة ما لا يحوي أيّ جسمٍ مائيٍ أعرفه. أزرقه كثيف وساحر. وأمواجه مع بريقها تحمل من كثافة المعنى ما لا أستطيع ترجمته إلى كلمات. ولا أريد أن أخوض في لغة رومنسية المُهاجر البعيد – إلّا أنني في تمام التحيّز أنه البحر الأجمل. ولربما تكمن أطماع العالم فيه لجماله. حتى كنت أسمع من أصدقائي الغزازوة أنّ “بحر غزّة غير”. ولطالما تساءلت إن كان بحر بيروت يُشبه بحر حيفا أو بحر غزّة، أم أنّ فراقنا يشمل الشُطآن أيضًا؟

يُكمل بسيسو:
“الهواء أحمر فوق الأوزاعي، أحمر هو الهواء الذي يتنفسه المقاتلون، هنا عليك القراءة والكتابة من جديد.

تعود هنا شجرة نخيل ضخمة قد تمددت وسط الشارع فوق الإسفلت، تحس بالحزن على هذا المارد الممدد بطوله فوق الإسفلت. ولكن لماذا لا يقاتل النخيل أيضًا. يمكن زرع نخلات جديدة. ولكن المقاتل حينما يقتلع من الأرض ما أصعب أن يزرع مرة ثانية.

برج الرمل شراعي
والأوزاعي
الأمواج على جبهته
تتدلى عنقودًا
دمك الجاري ليس وحيدًا
ودمي ليس وحيدًا.”

يُخبرني حدسي أنّ غضبي وحزني ليس لحظوي، إنما أحمله من جدتي ومن سبقها وحاوطها. لربما ورثت الحزن والغضب. ولربما هذا الاشتعال في القلب لما حالت إليه الأمور لا يحوي قلبي فقط. لربما أعطتني مريم قليلًا من غضب قلبها دون أن أدري. إذ أنني أدري أن مريم كانت شاعرة، فقد كانت تُهدي أبيات شعرها عند كلّ صغيرةٍ وكبيرة – في الأفراح والأحزان، في الولادات والزيجات والمآتم. وأعلم أيضًا أن ابنتها سلمى (وهي جدتي)، كاتبةٌ أيضاً. فلربما هذه اللغة ليست لغتي فحسب – بل لغتهما أيضًا. كتبت سلمى قصتها الصغيرة، و أسمتها “إنهم فتية” تيمّنًا بأصحاب الكهف. يتقاطع القرآن أيضًا في تلك اللغة، في الصور البلاغية المرسومة من آياته وقصصه. تُصاغ اللغة من الأرحام دون أن ندري، ويُصاغ الغضب من الأجداد دون أن يُنطق. ولربما في الحدس ما هو موروث قبل أن تجد اللغة والمنطق كلمات وعقلنة لوصفه. ولربما هذا الحزن الكبير هو حُزنٌ مُخبّأ ولم يجد بعد الكلمات ليخرج من صُلبي ويُعرّفني على حياةً أكثر خفّة. ولربما الرحلة الأجدى في هذه الدنيا هو البحث عن اللغة لهذين الحزن والغضب القديمين.