في الهاوية سحر غامض يبتلعنا

ملاحظة: عوامل كثيرة اتّحدتْ لكي تجعل من ذلك المكان المستتر مرتعًا حرًا خفيًا للعب واللهو… ولحصول الغرائب! ولا أسماء للتعريف بالملعب والفتيان والفتيات أبطال القصة، لكي تبقى إحداثيات الموقع والانتماءات خافية علينا، فنتفادى الانحياز إلى رواية بعينها دون سواها، لأن كل المآسي سواسية كأسنان المشط.

فتيان يلعبون كرة القدم في ملعب حقير سطحه مليء بالحُفر، يقع خلف غابة تحجبه عن أعين العابرين على الطريق السريع المجاور.

كثافة الشجر وضجيج الطريق، من جهة أولى، يساعدان على ستر الملعب وكتم الأصوات التي يطلقها الفتية والفتيات أثناء اللهو. والجرف العمودي الشاهق، من جهة ثانية، يساهم بدوره في طمسه، لأن الأصوات تتلاشى قبل بلوغها القمة. ولا عيون، غير عيون الطيور، تستطيع استراق النظر إلى ذلك المكان الذي تَشَكَّل بفعل انسلاخ التربة. وهو الأمر الذي حرم أشد المقاولين جشعًا من استغلال تلك القمة في مجال العمران: الأرض فوق ليست مستقرة، فبقيت مشاعًا بورًا.

وهكذا، سلم الملعب وظل نائيًا هانئًا، مع أن قلقًا دفينًا يعتريه من خطرين. الخطر الأول من تدحرُج أحجار متقطّع توقِع إصابات طفيفة وبليغة، لكنها تشفى بسحر ساحر… لكأن الملعب يرفض أن يكون مسرحًا لحوادث تفضح موقعه، فيمحو آثارها.

هو يستقبل فقط أولئك الذين يكتشفونه بفعل انجذاب غامض إليه، ويقينًا منه أنهم لن يبوحوا بوجوده. والخطر الثاني من أن يصبح عاريًا أمام سالكي الطريق السريع، إذا قررت السلطات حلاقة أشجار الغابة. وهو قرار محتمل في عصر تتلاشى فيه الرأفة بالبيئة وبما فيها.

لكنْ، رغم قلقه، بقي الفتية والفتيات صغارًا وكبارًا يأمَنون له. يعبرون إليه بالقفز إلى مجرى مياه صغير هو مصرف طبيعي لمياه المطر النازلة من الجرف الشاهق، ويغادرونه أيضًا من ذلك المعبر لكي يعودوا إلى بيوتهم. وكان أول الواصلين إلى هناك، ذات يوم، مجموعة من المغامرين الشجعان.

وذات يوم آخر، ظهر فيه دييغو مارادونا يجري خلف الكرة، مناوِرًا ببراعة، متجاوزًا العرقلات حتى سجّل هدفًا. ثم راح كعادته يحتفل بانتصاره، بينما تَحَلق حوله الفتية يهنّئونه بالتصفيق والتربيت على كتفيه ومداعبة شعره الأسود الكث، مثلما يفعل الأهل لتشجيع صغارهم.

هم الفتية تعوّدوا على ظهور شخصيات راحلة تعاطت ألعاب الكرة، من عهود القبائل القديمة منذ 3700 سنة في القارة الجديدة ثم الصين فاليونان وحتى أيامنا هذه… الكابتن ماجد نفسه زار الملعب، حيث لم تنفعه كل بهلوانيات التسديد في تسجيل هدف واحد. ولذا، كان ظهور مارادونا أمرًا مألوفًا.

وكما حصل لماجد، تبدّد حظّ مارادونا في التسجيل ثانيةً، فخِبْرته وحنكته وبراعته وقوته البدنية مجتمعةً، لم تسعفه في تسجيل هدف آخر. أحبط الفتية كل محاولاته التي كانوا حفظوها عن ظهر قلب، بما فيها تسجيل هدف بيده، أو “يد اللـه”، كما سمّاه هو في أيام عزّه… كانوا له بالمرصاد!

أمام هذا الصد العنيف، شعر مارادونا بغضب عارم دفعه إلى ركل الكرة إلى أعلى. نعم، هو لم يتغيّر بعد موته، فقد بقي غضوبًا أرعنَ يتصرّف كالأطفال! وبفعل ركلته الغاضبة، تجاوزت الكرة الصاعدة قمة الجرف واستقرت فوقه… وانتظر الجميع أن تتدحرج من تلقائها وتعود إليهم. لكنها تأخرت.

يُحب المَلعب كثيرًا خبطات الكرة على سطحه وخُطى الفتيان والفتيات يجرون فوق ترابه. إنها تدغدغه وتدلّكه وتبلسم ذلك الطفح الجلدي الذي يثير فيه الحك، وهو لا يمتلك أظافر. ويشعر بكل خبطة ودَبّة كتربيتة مواساة في ما يعتمل في باطنه. 

أثناء التخطيط لاستعادة الكرة، لأن الملعب لا يمتلك غيرها، وحُفرُه دليل على ضيق حاله، 

أطلّت فتاة من قمة الجرف تحمل الكرة. وكانت أول بشرية تظهر من فوق منذ الانسلاخ الكبير.

ارتعش قلب الملعب إذ أيقن أنها ستقفز. ارتعش ليس خوفًا عليها، فهو قادر على شفائها من أي إصابة لو حصلت لها، ولكنْ لأن ظهورَها مؤشر على تبدّل خطير في الأحوال.

شعر الفتية والفتيات بما يختلج في صدره، لكنهم أبوا أن يرحلوا عنه رغم إلحاحه عليهم بالمغادرة.

وفي نفس الوقت، أبت الفتاة رمي الكرة إلى تحت لأنها ببساطة لم ترَ أحدًا ليلتقطها. فمن منظارها، كان الملعب خاليًا، تغشاه طبقة من غبار ودخان.

الفتاة ترى الملعب من فوق، من حيث تنظر الطيور إليه، أي من الذروة. والذّرى ملكٌ حصري للطيور. ولذا، تعكّرت طبيعة الأمور وتغيّر المشهد:

الطيور أصبحت معدنية تجوب المجال الجوي للملعب الذي استحال ميدان حرب.

ولم يطُل الوقت حتى خلُصت الفتاة إلى وجوب تغيير زاوية النظر بانتقالها إلى القاع. استنتجت ذلك، ببساطة، من ظهور الكرة في حديقة منزلها، وهي ترجوها أن تعيدها إلى الملعب. وها هي تشرع في تلبية طلبها.

لم تتردد الفتاة في القفز. مفكرون كثيرون فلسفوا علاقة البشر بالهاوية والسقوط والقفز… في حين أن كل ما فعلته الفتاة أنها عانقت الكرة وهوت لتسلّمها باليد.

الهاوية هي الفضاء بين الذروة والقاع. وفي أثناء السقوط، مهما طال وقته أو قصر، تنبلج الحقيقة. وحقيقة المشهد من الذروة هي إبادة، أما من القاع فهي صمود. 

بسحر ساحر، أفلتت الفتاة من الإصابة وهي تشهد على إبادة. وما إن بلغت سطح الملعب، حتى انفتحت حفرة بفعل قذيفة رماها أحد الطيور، فانزلقت الفتاة إلى باطنه… إلى ما دون القاع.

وما إن انقشع عنها الغبار حتى هتف الفتية والفتيات وهللوا لوصولها. إنها المرة الأولى التي يتفاجأون بحلول شخص بينهم، شخص من الأحياء.

ظلّت الفتاة ترتعد من هول الصدمة معانقةً الكرة بشدة ولم تفلتها. فنصحوها بأن تفرّغ صريخها عبر فتحة الحفرة التي دلفت منها، لعلّ أحدهم يهب لنجدتها. وطمأنوها ألاّ تخاف إذا لم ينجدها أحد، فتبقى معهم تلعب الكرة وتمرح، حتى يأتي يوم يتمرّدون فيه على الإبادة، فلا بد من الاستعداد لمجيئه… عندها رمت الكرة من يدها واستؤنف اللعب.

في ذلك اليوم، تجمهر في باطن الملعب جميع لاعبي الكرة آتين من كل أنحاء التاريخ والجغرافيا، وغنّوا ورقصوا احتفاءً بقدوم الفتاة ولمساعدتها على الصمود!