عوالم ما بعد الاستعمار الخفيّة – في “البحث عن سيد مرزوق” و”وزالا”

ينتمي فيلمَي “البحث عن سيد مرزوق” للمخرج المصري داود عبد السيد، و”زالا” للمخرج السنغالي عثمان سمبين إلى عالمين مختلفين. لكنهما يلتقيان عند نقطة مركزية: سؤال ماهية سلطة بعد الاستقلال في القارة الأفريقية، وسؤال الفرد داخل نسق أكبر منه وأقدم منه وأكثر رسوخًا من قدرته على الفهم أو المقاومة. غير أن المسافة بين العمَلين تكمن في الطريقة التي تُرى بها هذه السلطة: هل هي شبح متعالٍ يطارد الأفراد من خلف الستار، أم طبقة اجتماعية يمكن تحديدها بالإسم والوجه والموقع الاقتصادي؟
في “البحث عن سيد مرزوق” تتحرك الكاميرا داخل فضاء خانق، شبه تجريدي، حيث تبدو شوارع المدينة مألوفة لكنها منزاحة قليلًا عن واقعيتها، بما يخلق إحساسًا دائمًا باللايقين. السلطة تُختبر كإحساس دائم بالمراقبة والتهديد. البطل يلاحق إسمًا، فكرة، ظلّاً. يعتمد السرد على إرباك المشاهد وتفكيك الإحساس بزمن متماسك، وعلى خلق حالة من العبث الهادئ يقترب من الأفق الكافكاوي بما يحمله من غرابة مبهمة ولا مرئية خانقة، وبأسلوب تعبيري يغلّف الواقع بطبقة من القلق.
يتقدّم السرد عبر يومٍ واحدٍ وليلةٍ واحدة بإيقاع متسارع، متنقّلًا بين أمكنة متعددة تتراكم تدريجيًا لتصنع إحساسٍ كابوسيّ متصاعد. ومع توالي الوقائع ينحسر النهار أمام زحف اللّيل، وتتحوّل حركة البطل إلى مطاردة متواصلة، كأنه كائن انفلت من عالم كافكا ذاته. في المقابل، تدور أحداث “زالا” في حيّز التقاليد الواقعية السياسية الأفريقية في سبعينيات ما بعد الاستقلال. يضع سمبين البرجوازية الوطنية في قلب الكادر بملابسها الأوروبية وسياراتها الفاخرة وخطاباتها عن الانتماء وتواطئها الواضح مع الرأسمال الأجنبي. الكاميرا هنا أقل التباسًا وأكثر مباشرة، والمدينة السنغالية مسرح صراع طبقي واضح المعالم. أما الإيقاع السردي، فيمكن وصفه بالتقليدي نسبيًا، لكنه محمّل بسخرية لاذعة، فالعجز الجنسي الذي يصيب به التاجر الذي أصبح من ضمن طبقة رجالة الأعمال – الساسة استعارة مكشوفة لعجز طبقة كاملة.


في البحث عن سيد مرزوق يقدم الراحل داوود عبد السيد ذروة الاشتباك مع الفانتازيا المتجذرة في صميم الواقع، عبر شخصية يوسف كمال، إبن الطبقة الوسطى الذي آثر طوعًا الانسحاب، فاعتكف في بيته سنوات طويلة بعد ساعات العمل لا يغادره ليلًا منذ تورطه العابر في مظاهرة طلابية. يخرج ذات يوم إجازته متوهّمًا أنه يوم عمل، فينفتح أمامه مسار عبثي يقوده إلى مغامرة غير محسوبة، ويضعه في مواجهة شخصيات تبدو كأنها منبثقة من كوابيس المدينة ومفارقاتها القاسية، وفي مقدمتها سيد مرزوق، الإمبراطور غير المتوّج الذي يهيمن على المدينة وسكّانها ومنافذها بعدما استحوذ على مفاتيحها. يتحرك مرزوق في الليل ببريق أسطوري، يحتفي بالحياة كما لو كان أحد كائناتها الخرافية، يمتلك كاريزما آسرة وسحرًا شبه منوم، ويستدرج يوسف بخطاب مراوغ عن المدينة واللذة ومعنى العيش، مستريحًا إلى سلبيته واكتفائه بدور “المستمع” الصامت. ومن هنا تتشكل المفارقة التي يبنيها داود بين البداية والنهاية ففي اللحظات الأولى يكتشف يوسف عالم سيد مرزوق ويقع أسيرًا لفتنته، معلنًا ببراءة مباشرة: “أنا بحب سيد مرزوق” و”أنا عايز سيد مرزوق”، غير أن رحلة يوم واحد تكفي لتمزيق هذا السحر ليتمرد كرهًا لعالم سيد مرزوق، إذ ينكشف له زيف العالم الذي أبهره، ووحشيته المقنّعة، وكذبه المتقَن، ليغدو سيد مرزوق تجسيدًا رمزيًا لعالم سادة يُحكمون قبضتهم على كل شيء، ويشيّدون ثرواتهم فوق أكتاف البائسين واللامبالين.
أمّا عثمان سمبين، فيستعرض في فيلمه “زالا” اشتباكًا لا يقل حدّة بين الواقع والفانتازيا، بسردٍ ملحميّ لمعركة الاستقلال السنغالي، حيث يدخل الرجال السود غرفةَ التجارة البيضاء، الرمزَ الاستعماريَّ المهيب، ويطردون المسؤولين الفرنسيين، ويقفون منتصرين أمام الحشود. لكن المفاجأة تكمن في أن المبنى الرمز يظل قائمًا، ويعود هؤلاء الرجال لتشكيل الغرفة الجديدة للتجارة، ثم يعود الفرنسيون إلى الغرفة ذاتها حاملين حقائب مليئة بالمال ليعطوها للسنغاليين الجدد رشاوى؛ فيتبين أن النفوذ الأجنبي لم يختفِ، بل عاد عبر علاقات جديدة تبدو أكثر تملّقًا وحداثةً. في قلب هذا العالم يقف الحاج عبد القادر رجل الأعمال الذي يتوّج صعوده السياسي بزواج ثالث. ليلة الزفاف تتحوّل إلى لحظة انكشاف إذ تصيبه “الزالا”، لعنة العجز الجنسي، فيغدو جسده مسرحًا لفضيحة رمزية. العجز هنا ليس بيولوجيًا بقدر ما هو سياسي. فجسد الرجل الذي يملك المال والنفوذ يعجز عن أبسط وظائفه، كما تعجز طبقته عن أداء أبسط واجباتها تجاه مجتمع خرج لتوه من قبضة الاستعمار. وبين محاولاته المحمومة لاستعادة “فحولَته” تتكشف لحظات من السخرية السوداء؛ فالسلطة التي تتزيّن بالحداثة تعود مذعورة إلى الطقوس الشعبية، وتستنجد بما كانت تحتقره، وتبحث عن خلاص في أحضان من همّشتهم طويلًا. يتحرك سمبين بالكاميرا في فضاءات مزدوجة، مكاتب مكيّفة، سيارات فارهة، موائد عامرة، تقابلها شوارع يغمرها الغبار، وفقراء يراقبون المشهد بقلّة حيلة. ومع كل خطوة يخطوها الحاج نحو “العلاج”، يقترب من دائرة أولئك الذين طردهم من أمام مكتبه، حتى يجد نفسه عاريًا أمامهم، جسدًا بلا امتيازات، ينتظر منهم الخلاص. في تلك اللحظة ينقلب ميزان القوى. فالفقراء الذين كانوا خارج الصورة يصبحون مركزها، والزعيم الذي ظنّ نفسه إلهَ المدينة يصبح موضوعًا لطقسِ إذلالٍ جماعي. اللعنة تتحوّل مرآة تعكس هشاشة نظام كامل، وتعيد ترتيب الهرم الاجتماعي في مشهد واحد مكثّف. ينسج سمبين فيلمه بخيوط الواقعية، لكنه يطعمّها بلحظات غرائبية تجعل الواقع نفسه يبدو كأنه حلم ثقيل أو كابوس متكرر، ليبرز السؤال: “ماذا يساوي الاستقلال إن ظلّت مفاتيح المدينة في جيوب قلة؟”.


في كل من “البحث عن سيد مرزوق” و”زالا”، يظهر المهمشون كخلفيّة، وكحاضنة للنقد الاجتماعي والسياسي. الشخصيات المركزية تتحرّك فوق أرض متصدّعة، والهامش يظل حاضرًا كقوّة كامنة، كأن المدينة نفسها مبنية على طبقات من التهميش المتراكم.
في البحث عن سيد مرزوق، نشأ “شابلن” في الشارع وتشكّل وعيه بين الأرصفة والموالد. تعلم تقليد “شارلي شابلن” واللعب على آلة البيانولا على يد معلمه عبد الله الذي كان يُعرف بين أتباعه بـ“شابلن الحقيقي”، حتى إنه سلمه آلة البيانولا حين أنهكه العمر وتعِبَ الجسد. هذه الآلة، التي فقدت مكانتها في زمن التسعينيات، صارت رمزًا لرجل خرج هو الآخر من سياق عصره. وبينما يتحدث بفخر عن اكتمال أدواته الفنية ونضجه في تقمص الشخصية، كان حلمه البسيط أن يهرب إلى السيرك… إلى حياة أقل قسوة من مطاردات الشرطة وصفعات الجوع اليومية.
أمّا المعلم عبد الله، فحين أدركه الوهن وتخلّى عن البيانولا، لم يبق له سوى الوقوف أمام سيارات السكارى رافعًا قبعته طلبًا للرزق، غير أن المصادفة القاسية لم تمهله طويلًا، إذ صدمه سيد مرزوق في إحدى تلك الليالي، فسقط قتيلا.
أمّا في زالا، فالمعالج التقليدي الأعمى هو إحدى الشخصيات التي طُردت من أمام مكتب الحاج عبد القادر سابقًا، شخصية تمتلك دافعًا قويًا للانتقام بسبب ظلم الحاج له ولأسرته، بعدما جعلهم بلا مأوى بسبب ممارساته الفاسدة وإساءة استخدام السلطة. يكشُف المعالج الأعمى لاحقًا أنه من عائلة تعرضت للظلم والإهانة بسببه أنه هو من وضع اللعنة على الحاج، ويُخبره أن هذا كلّه عقاب لفساده ومعاملته السيئة للناس. ثم يقترح العلاج الغريب: يجب على الحاج أن يخلع ملابسه ويقف أمام الفقراء والمهمّشين عارياً بينما يبصقون عليه لإزالة اللعنة.


في النهاية يلتقي الفيلمان عند نقطة نقد الدولة الوطنية بعد الاستعمار. الأول يقدّم نقدًا عبر الغموض والالتباس، والثاني عبر التعرية والمواجهة. يمكن القول إن البحث عن سيد مرزوق يفكك السلطة عبر تجربة ذاتية قلقة، بينما يهاجمها “زالا” من الخارج عبر سخرية اجتماعية حادة. سينمائيًا، اعتمد داود عبد السيد على بناء مناخ، على خلق شعور بأن العالم مختل في جوهره، وأن البطل يتحرك في أرض رخوة يواجه شبكة غير مرئية من العلاقات التي تحاصر الفرد دون أن تعلن عن نفسها. الصوت، الصمت، نظرات الشخصيات، المسافات داخل الكادر، كلها عناصر تُستخدم لتكثيف هذا الإحساس. السلطة لا تحتاج إلى خطاب مباشر لأنها متغلغلة في النسيج اليومي. أما سمبين، فبنى مشاهد أقرب إلى اللوحات الاجتماعية، حيث توزيع الشخصيات داخل الكادر يكشف علاقات القوة بوضوح. فالسياسة تُرى وتُدان علنًا. الحوارات تكشف التواطؤ، والمواقف تكشف التملّق، والأرض والجسد تحوّلا إلى ميدان للصراع داخل دولة حديثة تحوّلت إلى متاهة. في الأول، الكاميرا شريك في الحيرة؛ في الثاني، الكاميرا شاهد اتهام. هذه الفوارق لا تعني تفوّق أحدهما على الآخر، لكن تكشف مسارين من الاختلاف البائس في تصور الواقع.