تٌخمة الجيلي الأحمر… هل أكلت جيلي اليوم؟

ذوّبي محتويات عبوة الجيلي في كوب من الماء المغلي لمدة دقيقتين إلى ثلاث دقائق. حرّكي المزيج وتأكدي من ذوبان الحبيبات، ثم أضيفي كوبًا من الماء البارد، وحرّكي المزيج مجددًا، واسكبيه في قوالب الأشكال المفضلة لديكِ. أخيرًا، ضعي الجيلي في الثلاجة لمدة ثلاث أو أربع ساعات.
تذكّري أن سرّ نجاح هذه الوصفة يكمن في التفاصيل، فاستمتعي بكل خطوة.


اخترتُ رأس الأرنب والحصان والفتاة الجميلة والقلبين المتشابكين، ونهشتُها بملعقتي الصغيرة بسرعة وإخلاص. وبمجرد أن اتخمتُ بالجيلي الأحمر وشعرتُ بالامتلاء، أوصدت رأسي على ضجيج اللعب وسندتُ خدّي إلى فخذها الطري اللطيف، لأدخل أخيرًا في دفء عالمها الرحب.
ففهمَت جدتي أنني في انتظار حدوتة الليلة. كانت تلك عادتنا في إجازة الصيف؛ لا لأنام، بل لتوشوش قصتها أحلامي وتزورني تفاصيلها السخية.
كانت قصة الليلة من قصص الصحراء، حيث نُسّاك الرب والمتوحدون في المغاور.
في ليلةٍ صامتة ببرية “شيهيت”، حيث لا يقطع خشوع الفضاء سوى حفيف الرياح وترانيم الرهبان، كان الأنبا بيجيمي يقف في ركنه المعهود بالكنيسة. وكان جسده النحيل، الذي أضنته الأصوام، يبدو كخيالٍ وسط أضواء القناديل الخافتة.
بدأ الرهبان صلاة تسبحة نصف الليل، ومع أول نغمة من “الهوس”، حدث ما جعل الأنفاس تتوقف: تلاشى جسد الأنبا بيجيمي!
لم يخرج من الباب، ولم يتحرك من مكانه، بل ذاب في الهواء كبخارٍ يرتفع نحو ميتافيزيقا السماء.
انحبسَت الكلمات في حُلوق الرهبان، وجَروا يمينًا ويسارًا يفتشون عن “أبيهم” الذي كان واقفًا بينهم قبل ثوانٍ، لكن الركن صار فارغًا تمامًا… إلا من شيء واحد لم يختفِ: صوته.
ارتفع صوت الأنبا بيجيمي فجأة، قويًا، رخيمًا، يملأ أركان الكنيسة، بأصداء كثيرة تترنم معًا.
كانت ترنيمة “كيرلياسون… كيرلياسون…” تصدح بنغمٍ فريدٍ غلب عليه لحنٌ سماوي. كان الصوت يخرج من نفس البقعة الفارغة التي كان يقف فيها، ثم يتردّد بين الأركان بوضوحٍ هزّ قلوب الحاضرين. لم يكن صوتًا آتيًا من بعيد، بل كان يخرج من “الفراغ” ذاته الذي تركه جسده، وكأن روحه أبت أن تترك إخوته حتى وإن انخطفت الحواس.
ظل الرهبان يصلّون، يبصرون مكانًا خاليًا، ويسمعون ترتيلًا يهزّ الأنفس. كانت لحظةً كَسر فيها القدّيس قوانين المادة، ليعلن أن “الجسد” ليس سوى ثوب، وأن “الحضور” الحقيقي هو حضور الروح، أو أصداء الصوت المرتدة من الأركان!
ومع انتهاء الصلاة، وبينما كانت رائحة بخورٍ غريبة تفوح في المكان (بعضهم وصفها برائحة الياسمين، وبعضهم بالعنبر، وآخرون بالملوخية الطازجة، لكنهم أجمعوا أنها لا تشبه بخور الأرض)، تجسّد الأنبا بيجيمي مرة أخرى. ظهر فجأةً في مكانه، هادئًا، مطأطئ الرأس، وكأنه لم يغادر قط. لم ينطق بكلمة عمّا حدث، بل اكتفى بابتسامة، قبل أن بمسح حاجبيه ويختفي مجدّدًا في ظلام ممر القلالي، تاركًا خلفه لغزًا.
هل فعلًا أن العائش في رحابة حضن العلي والعاشق لأبديات الحقيقة لا تحدّه جدران ولا تحبسه قيود الأرض؟
انتهت جدتي من حكايتها، ثم أضافت عقّبت عليها ببهاراتها المعتادة، وقالت إنها تصدّق القصة لأنها تسمع أحدهم دومًا يتكلم في ركن غرفتها…
ضحكتُ! حاولت جدتي أن تصنع الخشوع والجدية، ولكن مع علو ضحكتي ضحكت هي الأخرى، وقالت بين هزّات الكركرة إنهم يتكلمون فقط حين ينام الجميع… “إيش فهمك إنتَ!”
لم أنم ليلتها، وبتُّ أتنصّت لَعَلّي أسمع صوت هؤلاء الساكنين في الأركان، لكنني لم أسمع شيئًا.
آهٍ منها جدتي! ومن حواديتها التي تقلب كياني.
كانت قد روت لي قبلها بأسابيع قصة ذلك الراهب “المحظوظ” الذي، لكثرة صلاته، ظهر له الشيطان في صورة فتاة جميلة لكي يفتنه ويبعده عن حياة الصلاة. والتزمتُ بالصلاة بالفعل وقتها، لعلّ الشيطان يرسل فتاته الشهية ليغويني. لكن يبدو أن ضعف إيماني حرمني من التجربة.


وصلني كتاب طلاسم عتيق بعد رحيل جدتي بسبع سنوات. كتاب لا يلمسه سوى العارفين والسّحرة. حُفر على جلدة غلافه السمل المرمم: “ثبوت التوار والتلاش” (بحروف كبيرة داكنة)، وتحتها: “هبة المصطفين المكابدين” (بحروف أصغر).
قال لي أحد سحرة العالم السُفلي المخضرمين، وكنت قد تعرفت عليه من خلال صديقٍ كان يلجأ إليه لاستعادة حبيبته التي هربت وأخذت معها كلبًا وسيارةً وعشرين ألف جنيه إسترليني. أخذت كل شيء وطارت مع عشيقها إلى حيث لا تغيب الشمس، كما لو أنها فصّ ملحٍ وذاب.
سافر باحثًا عنها، ليعود بخيبة أمل وتشنجاتٍ مزمنة في المعدة، وأرقٍ لا يزول، إلى أن دلّه أولاد الحلال على رجلٍ من الباطنيين العارفين، وكان اسمه السيد البكباشي. لا أدري إن كان “البكباشي” اسمًا أم لقبًا أم درجةً من درجات العلم الباطني.
أنهى السيد عملًا لجلب الحبيبة الهاربة، وكان شرطه أن يربط “العمل السحري” في شعر أنثى حصانٍ لم يمسّها ذكر، لا حيوان ولا إنس ولا جان.
كان يلهث كمن انتهى من شوطٍ في مباراة كرة قدم، وأخذ يرمقني بنظرة ريبة، مستهجنًا ومستبعدًا أن يكون الكتاب معي بالفعل، ثم قال في كِبَر: “تلك نسخة نادرة شحيحة يا ولدي. من يجدها اليوم كمن وجد كنزًا لا ينضب وانفتح أمامه بابٌ إلى ملكوتٍ كعرش السماء.”
أخبرني صديقي أن البكباشي عاود الاتصال به بعد ذلك ليسأل إن كان قد رأى الكتاب بنفسه أم أنه سمع الرواية منّي فقط. معقول؟! يبدو فعلًا أن يدي وقعت على فلتةٍ من نفائس القدر.


كانت رائحةٌ عطرية تشذو من داخل الكتاب كلّ ما مسّته أناملي أو غصتُ في صفحاته. كأنه نافذةٍ في جدار العالم المادي يتسرب منها ريح الماوراء، فيمنح نعومةً لشهيقي رغم تكدس الأتربة ولون الزمن المتراكم على صفحاته.
كنت أستيقظ أحيانًا لأتأكد أن الكتاب ما زال حيث تركته، محشورًا في تلك الكوّة الدقيقة بين عمود الخرسانة وخزانة الملابس القديمة المكدّسة. عكفتُ على قراءته لليالٍ طويلة. كنت أنتظر أن ينام الجميع لأختلي به خلسةً كعاشقٍ مغرم. حفظت تعاويذه وأناشيده كمتدرّبٍ يتغصّب على صلاةٍ تُجهده، أو كحاذقٍ في عبادةٍ يردّدها بلا كلَل آملًا أن أصير صوتًا بلا جسد!
وكالعادة، على مرارة الحنظل، ألفتُ التمرين على تلك الطقوس. كان الأمر يبدو كمن يسعى إلى إتقان لغةٍ ميّتة لا يعرفها أحدٌ غيره، فلا يجد سوى ذاته يحدثها في المرآة. ولم أملّ أبدًا من محاولاتي. وفي إحدى المرات، أثناء أحاديثي المتكررة مع خدام الطلسم غير المرئيين، وأنا أرسم التميمة بنقوشها وأرقامها في الهواء، نظرتُ في المرآة كعادتي، فلم أجد رأسي. كانت ملابسي تتحرك عائمةً في فراغ الغرفة!
قطع صمت اللحظة أولُ صوتٍ خرج مني؛ صيحةٌ أقرب إلى شخرة النائمين.
خلعتُ ملابسي واستمتعت بعريي الحقيقي لأول مرة؛ اللاوجود، أو وجود اللاوجود.
وقفتُ في ركن الغرفة وهممتُ أن أصلي “كيراليسون” مثل الناسك العظيم، لكن لم يخرج مني سوى الضحك…
وأظنها أطول نوبة ضحكٍ استفرغتُ بها أوجاع نفسي.


لم أخبر أحدًا بقدرتي على الاختفاء سوى أمي، فهي الوحيدة التي ستصدقني. قالت لي إنها كانت أحيانًا تسمع أصوات ضحكي في أركان الغرفة. وحكت لي يومها عن إبن خالها الذي كان يختفي ويتسلل إلى غرف بنات الجيران، إلى أن ظهر فجأة في غرفة نوم جارتنا عفاف، في لحظةٍ حميمية خاصة، وهي تداعب مؤخرة زوجها ليقوم لعازر من سبات الموت ويرحم أنينها المكتوم.
وفجأة وجدَت شابًا عاريًا جاثمًا في منتصف الغرفة. اعتقدَت للحظة أنها عدالة السماء، إلى أن تبيّنَت أنه إبن الجيران، فصرخت بأعلى صوتها، ولامت أهل البيت، وقفز الشاب هاربًا.
يومها أحرق جدي الأكبر كتب السّحر في شرفة المنزل، ثم أخذ الشاب، “ابن الخال”، في رحلة قصيرة إلى كنيسة السيدة العذراء بالزيتون للاعتراف بخطاياه، وتعهد أمام المذبح المقدس ألا يعود إلى السحر أبدًا.


منظومتنا الخيالية تتشكل في المرآة منذ الطفولة. في المرآة يُرسم وهم الأنا المريح:
“هذا أنا”.
في كنفه تتشكل منظومة الرموز، ولغة الاجتماعي، لتكبت المتفسخ؛ ذلك الأنا الوحش، المفتت، الهلاكي، القابع في جبّ منظومة الواقع التي لا نطولها أبدًا.
كنتُ في كل ليلة أمارس شعائري وأذوب عن الوجود، وأقف أمام نفسي فلا أرى انعكاسًا، لا أجدني. ما أجمل أن ننظر إلى المرآة فلا نجد أنفسنا. أن نتحرّر من ذواتنا ونتماهى مع المفتّت فينا، فنعيش الخواء الفارغ، وننفلت من اللغة والرموز.
لم تكن تلك الشعائر متعتي أو عادتي فحسب، بل خلاصي. خلاص. أخيرًا، لا أنا ولا من يحزنون. منذ طفولتي وأنا لا أعامل من في المرآة بجدية؛ أمد له لساني وأفسد لحظة اللقاء المرير مع ثقل الأنا.
لهذا اختفيت.
كإلهٍ غير متعالٍ يختبئ لكي يوجد.
أنا لست هذا الجسد من الآن فصاعدًا، أو على الأقل الآن.
فالخلاص من الذات الفرد هو القبول بالكثرة. لا يمكن أن أحرض “الحدث” غير المتوقع كفرد. لا يمكنني أن أكون شذرة للحقيقة وأُخلص لها.
لن أعيش أبديتي الصغيرة إن بقيت فردًا، أو جسدًا ماديًا في مرآة.


صلاة ..

يارب.
يارب هل سمعت؟
يارب هل سمعت آخر نكتة؟
ما أجمل الضحك ..
يشفي الأوجاع كمداوٍ رحيم
اضحَك إذَن يارب..
اضحَك..
واختفي عن عرشك لتطول سنينك
تصير أربابا وتنال فوق الآبد آباد