هذه روح تحدّق في الفراغ
“بحتُ لأنني أحسستُ، وأحسستُ بالرفض واللاقيمة والإنكار…”1
نيسان 2021، تُسحب الأرض من تحت قدمي، تنهار كل الأبنية التي قد شيّدتها في خيالي وسميتها مستقبلًا، أراني عارية من أي شيء أعتدّ به لنفسي عن نفسي، وقفت مدهوشة أمام كل تلك القفزات التي تجرّأت عليها، الزواج، طفلتي الأولى، الانتقال من بلد لآخر، المجازفة بكل شيء، طفلتي الثانية، أنا، الآن، هنا، ماذا أفعل؟
فلشت على الطاولة أمامي كل ما كنت أطمح لتعلّمه ومزاولته، كل ما كان يشعل فيّ حماسًا ما في ما مضى، وطبعًا كل ما هو معقول ومناسب ومتاح لي، أقصد لحالتي الإجتماعية التي نويت حمايتها من نفسي قبل أي خطر آخر، المهم وما علينا، تعلّقتُ بمديح معلمة يتيم لطرف موهبة لم أعطها وقتًا ومن بين تلك الأمور القليلة المطروحة كان هناك الـ Bungee jumping، أي الكتابة.
يجيب الكاتب الجميل حسين جميل البرغوثي عن كثير من الأسئلة التي تثير جنوني، وقلقي وأشياء أخرى مخيفة، فيقول في نصه “الفراغ الذي رأى التفاصيل” الآتي :”لِم أكتب؟ لأنني أخاف، لأنني أخاف على نفسي ومن نفسي، لأنني أرغب في النسيان، لأنني أتجنّب، لأنني أريد، لأنني أفرّغ، لأنني محدود…”
لأنني أتجنب، هذا ما حاولت فعله في البداية، وما زلت في البداية، أن أرمي الألم والعاطفة بعيدًا عن نصوصي، أن أتجنّب كتابةً تخنق روح قارئها، أردت للغة أن تكون هربًا منّي ووصلًا بأصدقاء ومعارف كثيرين حد الثمالة الإجتماعية، أن تكون مادة لمسامرات لا تنتهي عن تشكيل النصوص وعن أثر التجارب فينا وعن من سبقونا من عظماء في هذا المجال وعن المجتمعات واختلافها وأوجه الشبه فيها، عن الإنسان، أي إنسان، كلّ إنسان سواي. أكتب لأنني أتجنّب نفسي وعالمي وعقلي الذي يشبه متاهةً شرّيرة.
ولأنني أرغب في النسيان، نسيان ضعفي وهشاشتي وقلة حيلتي، والفرص الكثيرة التي لم أحظَ بها، كشهادة جامعية تلغي عذر “عدم معرفة ما يكفي كي أستحق الكلام”، وكمحيطي الطبيعي الخصب بالأصحاب واللقاءات والمساحات الثقافية التي تحافظ على الرغبة في الفعل، في المساعدة، في الحضور… نسيان ما أقترفه من حماقات تجعلني أودّ لو أدفن رأسي في الأرض كالنعام، نسيان الذنب الذي يلاحقني بسبب قلة العمل، نسيان ساعات البكاء الطويل والرغبة في خدش باطن جلدي، ومحو فكرة أن يكون أحد معارفي قد رآني وأنا أقود السيارة وحيدة وأصرخ بكل ما في حنجرتي من طاقة، ونسيان اليأس من هذا العالم الذي كبر في داخلي منذ بدء الإبادة الصارخة في غزة، نسيانه والتحايل عليه بأنّ بضع كلمات مرصوفات بأسلوب سلس قد تساعد في تصويب البشرية نحو أهداف سامية…
هل حقًّا قفزت؟ أم أنني ما زلت أتعثّر بنفسي؟
لأنني أريد أن أرى، قلتُ لنفسي عليّ أن أرى، أن أمنح نفسي تجارب جديدة، عليّ أن أقرأ أكثر، أن أسافر لعوالم مختلفة، أن أرى ولكن بعيون الآخرين، أن أكون كريمة ونور وزينة ومليحة وطفل صغير يضرب بيدين مكوّرتين كلّ ما تطالانه، يضحك يداعب يبكي، وعجوزٌ يتكئ على نفسه، ورجلٌ مهزوم وشابٌّ يتعارك والكون بيديه العاريتين، أن أكون الجبال الخضراء والجبال الصخرية الجرداء الصعبة، وأن أكون الشاطئ والحيتان المرمية عليه نصف ميتة، وأن أكون طيرًا أضاع اليابسة ودوّخته زوبعة فوق البحر الواسع وأن أرى بعيون البحر الأزرق العميق… يجب أن أرى، لأنني محدودة، كانت طفولتي ومراهقتي جغرفيا تحدها المدرسة لجهة الغرب والمنزل لجهة الشرق وكان خيالٌ فضفاض، أكبر من رأسي، يملأ ما كان يجب أن يكون حكايا الجدات وقصص الأصدقاء وشقاء أولاد الحي أو شقاء الحي ذاته. لذا كان يجب أن أعرف أكثر، أن أقابل أناسًا، أن أتعرّف على غيري، أن أنظر طويلًا في عيون من حولي، في تفاصيل حياتهم، تحرّكاتهم، كيف يتكلّمون، كيف يغضبون، وكيف تهتزّ أبدانهم استجابة لشعور ما، كان لا بدّ من أن أترك جسدي وأسكن أجسادهم لبرهة، أن أشعر بثقل الجلد السميك المتراكم على ظهر يد امرأة طاعنة في السن، وبالتراب المستقرّ تحت أظافر فلّاح قديم، وبرائحة الإسمنت وطعم غباره في أنف وفم عامل البلاط، وبالشمس تحرق شعر فتاة سمراء تبيع أكياس المحارم عند إشارة المرور. كان يجب أن أفتح عينين كبيرتين على كلّ ما ومن حولي لكي أرى. وكان يجب أن أنظر إلى المرآة زمنًا، أن أرى في داخلي ذلك الوحش المقزّز، تلك البشاعة المفرطة من شك وأنانية وتفكير أخرق، أن أمعن النظر في وجهي حين يستقرّ فيه البؤس ويغيّر معالمه حزنٌ أكبر من قلبي..
هل رأيتُ حقًّا؟ هل نظرتُ إليّ؟ هل تقبّلتني؟ هل تحفّزتُ للقفز؟ أم أنني ما زلت أحدّق في الفراغ المهول الذي سأقفز فيه؟
لأنني أخاف، أخاف أن أكون بلا وجه، أخاف أن أمضي حياةً تعربد بها الرياح كيفما شاءت، أن لا يكون لي قرار أتحمّل مسؤوليته، أن أبقى تلك الطفلة التي تضع مساند غرفة الجلوس فوق بعضها لتشكّل مكتبًا، وترتب أقلامها ودفتر واجباتها الصيفي على المكتب المزعوم مع أداة التحكم بالتلفاز التي تلعب دور هاتف المكتب المرموق، وتحاول أن تكون شيئًا آخر غير طفلة. وأخاف من الطفلة التي في داخلي، أخاف أن تتركني إن كبرتُ وأصبحتُ مملّة، وأصبح جهاز التحكم بالتلفاز مجرّد جهاز تحكّم لا غير. أخاف من التجربة، من تشكيل نصوصٍ عقيمة لا تقول شيئًا، من توجيه الرسائل إلى الشخص الأميّ، أو الصراخ في وجه أصمّ، أو انتظار ردٍّ من أبكم الروح، أخاف من أن يبتلعني الفراغ، من أن أتمسّك بالحبل، يجب القفز في هذه الحالة قفزةً أبديةً لا تعيقها تدابير الأمان ولا تجزعها احتماليات السقوط المحطِّم.
لأنني أفرّغ، قررتُ أن أكتب، وأن أبحث في نفسي وفي الظروف من حولي وفي الظروف القسيّة وفي المواضيع الشخصية. لأنني لا أريد الاختباء خلف قناع من الثقة قد ينكسر في أي لحظة، أقول ما أعرف وأقول لا أعرف، وأعترف برغبتي المستحيلة الإشباع للمعرفة والحب والثرثرة. ولأنّ داخلي يمتلئ بسرعةٍ من أي موقفٍ أو فكرةٍ أو شعور، أفرّغ، أستعمل اللغة مساحة لفيضان النفس، لأنني أريد أن أكون خفيفة شفافة، أقفز وأبوح.
- الفراغ الذي رأى التفاصيل، حسين البرغوثي ↩︎


