في الصورة، وجهان يضحكان

على المائدة المزيّنة بتحف الكريستال والشموع، صحنُ آريبّا وشوكة وسكين وملعقة. في الصندوق الخشبيّ خلف المائدة، زيٌّ مكسيكيّ كامل… لا نراه. على الحائط رأس غزالٍ محنّط وفي زاوية الصالة الرخاميّة الباردة صورة لشابٍ… لطفلٍ وأمّه… وجهان لا يبكيان.
كلّ شيءٍ يشي بالغياب. الصحن ممتلئ، الشوكة نظيفة، الملعقة كذلك، والسكين غير مرئيّ بوضوح. رأس الغزال يحدّق في اللامكان. الزيّ كما لو أنّه جديدٌ… لا نراه. والصندوق لا أقفال عليه.
كلّ شيءٍ يشي بالغياب إلا الصورة. وجهان ضاحكان أم كاذبين.
الطفل يروي غياب أمّه. أعدّت له لباسه المفضّل. والمائدة كما يحبّ… خرج يصطاد حياته… ولم يعد.
يروي من نافذة الغياب اللحظات الأخيرة لها. كانت تصفف شعرها الأحمر وتضع بعض الحليّ. سمعت صوت انفجارٍ… فآخر… رمت أقراطها أرضًا وركضت لتنهيه عن الخروج. توسّلت إليه. لكنّها بقيت في الصورة… ضاحكة. وهو خرج… ولم يعد.
يقول إنّ لحظاتها الأخيرة كانت مؤلمة. ضاحكة في الصورة. تناديه.
يقول إنّه لم يدرك كيف أقفل الباب خلفه وبقيت هي في المنزل تناديه وهو عالقٌ في الصيد.
يقول إنّ الظلمة في لا مكانه الجديد تذكّره برأس الغزال المحنّط على الحائط. والبرد أليفٌ هناك يشبه شعوره يوم ارتدى زيّه المكسيكي في شباط في جبل لبنان. الزيّ سميكٌ ولكنّه من قارةٍ أخرى وشمسٍ أخرى لا يقيه برد الشتاء.
يقول إنّ دمه الذي سال في الصيد يشبه شعر أمّه عندما تستحمّ وإنّ المعدن الذي اخترق جسده يشبه قرطها الفضيّ.
يظنّ أنّه أصيب في ذاكرته في الشظيّة الأولى فلم يعد يذكر طعم الآريبا ولكنّه يعرف أنّ أمه قد أعدّتها له. يذكر أمّه ولا يذكر طعم الأطباق التي تعدّها له… هل من شيءٍ أقسى على طفلٍ؟ هل من شيءٍ أقسى على أم؟
في الصورة، وجهان يضحكان… يعيدان تمثيل لحظة الفراق. يكذبان.
وفي الواقع، لا شيء. كلّ شيءٍ يشي بالغياب. إلّا السكين… فلا نراه بوضوح.
سكّينٌ. أداة حادّة للقطع. للقتل. للخطف. للسرقة. لكسر أقفال الصندوق.
آريبا. خبز من الذرة. طبق مكسيكيّ. يمكن قطعه بالسكين وحشوه باللحوم.

