فمنِ الذي اختطفَ الغضبَ؟

كان ما كان لنا واستعدنا الماضي إذ صار أدنى إلينا من الغدِ الضائع، ولرُبّ ذكرى مطلع الألفين تُورثُ حاضرَنا مُساءلةً عن حقٍّ أُهدِرَ، عمّا سقطَ منّا بين التُراب والدمِ وما أدركَتهُ الأبصارُ؛ وكأنّ تلك الذكرى من جُموعٍ مُنتقاةٍ تُحاكمُنا أمام مراياها كذاكرةٍ سياسيّةٍ تُعرِّفُ ما انثلمَ من وجهِ حاضرنا الآن، وما تبقّى منّا.
كان لغةً بيّنةً مفهومة لا لَبسَ فيها، وحركةً جمعيّةً أولى، تنبعثُ عفويّةً فتُربكُ موازينَ الإقليم وتسبقُ انتظاماتِ السياسة، قوّةً لا تستأذنُ إطارًا ولا بناظرةٍ إذنًا، وضغطًا خامًا يقذفُ في رَوع سُلطاتِ المنطقة كلِّها سؤالَ معنى الوجود العربي في هذا الصراعِ وحدود المشاركةِ في المقاومة.

ليس إيحاءُ نبيّ، هو ذاك كلُّه كانَه الغضبُ العربي في الشارع لحظات الانتفاضة الثانية، يرفعُ للشمسِ أُغنيةً بيضاء، واقعةً سياسيّةً جُذِمَت حُجُزُها بين شارع الجماهير ورسمية السياسة. نشاطٌ خاتلَ حدودَ التعبير الرمزي، وحالةٌ اجتماعيةٌ خرجَت من البيوت إلى الشارع، تمظهرَت في الساحاتِ وعطّلتِ العواصمَ، وأخرى بدَت في المقاطعة الشعبية للسلع الإسرائيلية والأميركية، وفي تشكيل لجانِ دعم الانتفاضة، في حملاتٍ إعلامية غذّتِ الشعورَ بالاقتدار والفعل، فإذا بها تُعيدُ تأهيلَ الحسِّ السياسيّ الشعبي، شكلت فيه الصورةُ، والصوتُ، والوجودُ الميداني أدوات ضغطٍ فعلية على الأنظمة الرسمية المُتردّدة، وعلى مجتمع دوليٍّ متخاذلٍ واهن العزم. وكُلّهُ جعل الغضب قوةً مؤثرة، هدّدَتِ المكتسبات الرمزية للعدو وحدودَ مُمكناتِه السياسية، ولوِ استقام لها الامتداد لأخرجَتنا إلى فعلٍ تاريخيٍّ تتبدّلُ به الموازين طُرًّا.

وصَفحًا عن محدودية أُفقِ النجاح السياسيّ، إلّا أنه كان إنجازًا وتحرّكًا جماهيريًّا أزعجَ الأنظمةَ وأرجعَ للقضية الفلسطينية أبعادها العربية، فكيف كان الغضبُ العربيُّ حدثًا عموميًّا يفيضُ إلى الشارع قُوّةً تُربكُ البُنيةَ السياسية، وصارَ، في إبادةٍ سبقَت إبادات القرن وحشيّةً، انفعالًا فرديًّا مُتقزِّمًا مُبعثَرًا داخل أُطرِ إرادةٍ سياسيّة مُروِّضَة، شعورًا ليس إلّا، يُستهلَك داخلَ قنواتٍ مُراقَبة، وفضاءاتٍ مُفرَّغة من القدرة على التأثير؟ أيُّ يدٍ خفيّةٍ انتزعت من الجماهير حقّها في الغضبِ السياسيّ المُلزِم دونما قناعةٍ بحيّزِ الغضب الوجداني وكفى؟ سؤالٌ يفضي، متى أُحكِمَ النظرُ فيه نيّةَ جوابه، إلى كشفِ نُظُمٍ متشابكةٍ من سلطانٍ رسميٍّ، وائتلافٍ دوليٍّ، وتحوّلاتٍ ثقافيّةٍ أعادَت، في مجموعها، هندسةَ العلاقة بين الشارعِ والفعل، بين الإحساسِ بالظلمِ وطاقةِ مدافعته؛ فهمشَّتِ الفعل التأريخي حتى رَبى التعاطفُ والوجعُ فيه مقامًا يَقنعُ بالمشاهدة واستهلاك الصورة… واغتربنا عن الغضب وما زلتُ لا أفهمُ كيف انقلب الحدثُ ذكرى، وانقلبَتِ الذكرى عجزًا، ثم سمّينا ذاك صبرًا؟

عقبَ عقدين من الانتفاضة، ومع أحداث الإبادة ومذابح غزّة (٢٠٢٣–٢٠٢٥)، ما عُدنا نقدرُ على ذاك الغضب الذي يُلغي الفرقَ بين المتوقَّع واللامتوقَّع بمُمارسةٍ تاريخيةٍ مؤثرة في مسار القضية الفلسطينية. فكّرتُ كيف ابتدرَ سؤالُ «أين الغضب؟» مخيّلتي وضيّعَ خيطَ الأشياءِ في سَفرٍ لا لُغةَ له؟ الجماهيرُ نفسها، أو ما تبقّى من ذاكرتها وما عثرَت، تَحسُّ بالاختناق ذاته، وترى العنفَ قد بلغَ تمامه، فلسطينُ أغنيةٌ مرسومة في الوجوه غير أنّ الغضبَ ما تنزَّت فيه نقمةٌ تهبُ الألمَ قدرةَ الإحداثِ والتحوّل! هنا، لا فُسحة لسؤال أسباب هذا العجز الظاهر، ولا عن خمول الجماهير أو تراجع إحساسها بالقضية، فذلك تفسيرٌ كسول يُحمّل الضحيةَ وِزر ما جرى لها. السؤالُ القمينُ بالطرح: ما الذي جرى للغضب نفسه؟
سؤالٌ كذاك، بدا لي معقولاً في لحظاتِ «انكسار التاريخ» كما يسمّيها عبدالله العَروي؛ إذ لسنا في زمنٍ تتقلّدُ فيه الجماعةُ أدواتها السياسيّة حتى نتقاولَ في حقول الكيفيّات الصائغةِ للتنظيم، والدائرة بها الموازينَ لتُخرّجَ الوقائع. موجعٌ هو انزياحُ السؤالُ من تلك الحقول إلى مدار الوجدانيات، وتدليلٌ أنّ الإرادةَ اليوم جُرِّدَت من وسائطها وتفكّكتْ شبكاتُها ووُزِّعت داخلَ فضاءاتِ تعبيرٍ آمنٍ ينكفئُ معه الوعيُ إلى تقفّي أثرَ الانفعال نفسه، فسؤالٌ كذاك علامة على خسارةِ القدرةِ التي كان لِزامًا أن تُسألَ عن شروطِ بنائها لا عن غيابِها. هكذا يكشفُ تحوّلُ السؤالِ مقدارَ التحوّلِ في بُنيةِ حِراكنا السياسيّ؛ من فعلٍ مُلزمٍ مُشتبِك إلى وجدانٍ يُحصي خساراته، أو موقفٍ أخلاقيٍّ معزول… فمن أنا ها هُنا؟ ضبابٌ كثيفٌ على الجسر كما يقول درويش.

يا مَن ضيَّعَ تهجّي صوتَ البنادق والبيارق، أهُناك يومٌ آخر؟
هذا غضبٌ، بذرةٌ أمينةٌ للتغيير، واختطافُه جزءٌ من تدمير المقاومة إذ تُنتزَعُ قدرةُ الجماعةِ على تعريفِ فعلِها بنفسها، فينتبذُنا الانفصالُ المفهومي للشعور عن التأريخ، وليس ثمّةَ إذ إلا تُرابًا في أفواهِنا وقدِ اختلجَتنا كثافةٌ عاطفيّةٌ تجهلُ شروطَ الفعل. تجتهلُنا خيبةُ طاقتنا عن دفعِ سؤال الغضبِ عنّا، بعد أن كان وعدًا مُحتمَلاً بوجهٍ من التاريخ وصار أثرًا متأخّرًا عليه، لأنّهُ فرعُ سؤالٍ أدهى منه ثِقَلًا وبلُغةٍ أشدّ إرباكًا: [لماذا كانتِ الإبادةُ ممكنةً ثقافيًا واجتماعيًّا؟]، ثُم أيُّ بلاءٍ على أمةٍ إذ يستفزُّ تيهَها إشكالٌ يجرحُ وعيَها السياسي في موضع كرامتِه: [كيف نتحوّل من شعوبٍ تتضامن مع المقاوَمة إلى شعوب مقاوِمة؟] مثلُ ذا يلزمُ انقلابًا في المعنى السياسي، ودونه فليست إلا إعادة صياغاتٍ مكرورةٍ للُغةِ السياسة في مُعجم الإغاثة والتضامن والإدانةِ التي تختزلُ بطبيعتها أفقَ المقاومة في وظيفةٍ أخلاقيّةٍ تجهلُ الصراعَ وملاعبَ تحوّلات موازين القوّة. إجابةٌ عن هذا السؤالات ضرورةٌ تاريخيةٌ اليوم؛ لأنها تحددُ كيفيةَ استخدام الرصيد النضالي للمقاومة وإعلان بعث ميلادها.

هل استثمرنا تضحياتِ الشعبِ الفلسطيني ومقاومتِه في مشاهد الداخل ومَهاجر الخارج، بشريف رموزها من الشهداء الأحرار والأسرى، أم أنّا لم نتجاسرْ بعدُ على أبعد من مراوحة أمكنة تضامنٍ يُعيدُ تدويرَ المقاومةِ في حيّز الذكرى المرويّة، ويتحصّنُ بتعاطفٍ مأمونِ العاقبة، هيّابٍ حييٍّ من التعبير عن نفسه تعبيرًا سياسيًّا مُلزِمًا؟ أهنالك يومٌ آخر؟
يُقلقُني العنفُ اليومي على الفلسطيني، وهذا وحدُه يُسقِط براءةَ اللغة ويحْجلُني معها بحدِّ المساءلة، فإمّا أن نكتبَ ما لا يسمح لنا التاريخُ بالتبرؤ منه، وإما تكون فلسطين وجهًا خانَه عاشقوه.
كان علي أنْ أدركَ، متأخّرًا، أن عنفًا على الفلسطيني من الاستعمار، هو عنفٌ عليّ شخصيًا ويطالُنا جميعًا كونهُ بقايا حالةٍ استعماريّة استثنائيةٍ في ابتزازها معاني الحقّ، وأنَّ تحريرَ الفلسطيني يعني تحريرَ الإنسانِ العربي من أقصى الشرق إلى مغربه؛ والمبادلةُ بين الجملتين ليست أكثر من فعلٍ سياسيٍّ مشروطٍ بقُدرته ومُلزِمٍ بنتيجته. ولا خَلاص على أيدي الأنظمةِ الرسمية، ظنٌّ مثلُ هذا قبضُ ريحٍ، ودليلُ ضيعة فَهمٍ لا يقوم إلّا على سراب وعودٍ مُعلّقةٍ في هواء الرجاء؛ فالأنظمةُ الرسميةُ اليوم لا تحتملُ ثمنَ التحرير؛ ونظامٌ ينتهك الحقَّ في الداخل ويُقصي السياسةَ عن مجتمعه لا يملك صدقيّة الدفاع عنه في الخارج، فكيف يواجه الاستعمار ويُقارعه؟ لذا، لا مبقى لمُنازلة الاستعمار إلّا قوىً من طاقاتٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ حيّة تتكونُ خارجَ السُلطة الرسمية.

لم تَزلْ تكبرُ سجونُنا من مُعاناتنا مع صعوبة تحويل التعاطف العربي الحقيقيّ إلى تضامنٍ سياسي فعّال، واللغةُ التي لا تُلزِم قائلَها بموقفٍ قابلٍ أن يعجمَ أعوادَ الاختبار، تبقى لغةَ شكوى؛ فالمسألةُ مساءلةً للكيفية التي يُعادُ بها تركيبُ المجال السياسيّ نفسه، مسألةُ بناءٍ تاريخيٍّ للقدرة، أن تتكوّنَ الجماعةُ من جِدَةٍ داخلَ أفقٍ يُنتجُ شروطَ اشتباكها ولا يكتفي بتأمُّل خساراتها وزمنِها الذي استقرَّ في صورةِ حِدادٍ طويل أشقانا وأشقيناه.
فمَن ذا الذي يتملّكُ قيادَ السّلطةِ على تعريف ما يُمكن أن يحدث؟
الغلبةُ التي تستقرُّ في الأرضِ قد تُنازَع، أمّا الغلبةُ التي تستقرُّ في حدودِ التخيّل فقلّ أن تُرى وهي تعمل؛ هناك، حيثُ نخجَلُ من أنفسنا، تُرسَمُ مقاديرُ الممكن قبل أن تُباشَرَ الأفعال. ومن امتداداتِ يدِ الاستعمار إلى وعينا أن عبثَ بأُفقِ تخيُّلِنا؛ فجعلَ مهمةَ التحرير تتجاوزُ استعادةَ المكان إلى استعادة القُدرةِ على تصوّره مُحرَّرًا! وهذا مشهودٌ من ردّة فعلنا في أحداث الإبادة؛ ردّةُ فعلٍ مهزومةٍ تُطالبُ فحسب أن نُدخلَ المساعدات، أن تتوقّفَ الإبادة… فأين تحقيق مقاصد النضال وتضحياته بُغيةَ تحرير الأرض والإنسان؟ عَبثَ الاستعمارُ بنا حتى بدّلَ معاني الابتداء عندنا؛ كأنْ يبدأ التاريخُ من انتزاع حقّ تعريفِ الممكن من يدِ القوّةِ الغالبة، ومعها لغتنا التي يُستدعى بها المستقبل.

لا أدري، بعدَ هذا الخُذلان الذي شهدناه، كيف سنتحدثُ عن حق الأرض المسلوبة، عن العودة، عن العدالة، ونحنُ لم نتعرّفْ بعدُ على أبجدية حدودِ التضحية في معركة التحرير ضد الاحتلال. اليوم، علينا أنْ نُجاهدَ مع ذاكرتِنا وضمائرنا حتى لا ننسى كلماتٍ مثل: الكيان الصهيوني، إسرائيل، الاحتلال، النكبة، الإبادة وفلسطين… علّنا بذلك نُعيد الاعتبار إلى لُغة [المقاومة] بعيدًا عن مشهديّات الابتذال التي تصيغُ إعادة النكبة بعباراتٍ تكنوقراطية، وتُصيّرُ [السلام] اسمًا حركيًّا لحراسة الأسوار ليس إلّا. علّنا نستنفرُ الذاكرةَ ونستعيدُ قُدرةَ مُشاة الجسرِ إلى الشرقِ الجديد، خُطى الفدائي إذ يُرهب العدوَّ وحلفائه المحلّيين والدُوليين بمَلحمتِه القادمة:
«غضبي يرابطُ في مَمرٍ ضيّقٍ
بين الخيانة والأمانة
فاحذروا منّي»
علّنا قبلَ كل ذاك، نخلق حقائقَ واقعةٍ تُعيدُ تشكيل مُعطياتِ الغضبِ وتستردُ إمكانَه كشرطٍ مَبدئيٍ لعودة التاريخ إلى مقاماتِ القدرة، علّنا بعد ذاك نطردُ خوفَنا وضعفَنا، ونمشي باتجاه فلسطين كإمكانٍ لعالَمٍ جديدٍ.