ولكني أَقول: وكُلّ ما في الأمر أَني لا أُصدِّق غير حدسي*
الجامع
السادسة صباحًا. أركن سيارتي في الموقف العمومي، أنظر من حولي فلا أرى الجامع. تشير خارطة المشّائين الصهيونية إلى أن الجامع يبعد 75 مترًا عني، يُرفق التطبيق صورة للجامع كُتب تحتها “يهود العتيقة”، والكتابة بالعبرية.
سأمشي اليوم وفق مسار أعددته مسبقًا، ورسَمَه لي تطبيق المشّائين: أنطلق من قرية “اليهودية”، ثم غربًا إلى “كفر عانة”، ثم جنوب غرب إلى قرية “ابن براق”. جميعها قرى هُجّرت ودُمّرت، وعلى أنقاضها شُيّدت مستعمرات صهيونية تحمل أسماء محرّفة عن أسمائها العربية الأصلية.1
الأعمى
أخرُج من سيارتي، وأنظُر حولي: لا مئذنة، ولا جامع، ولا مبنى يوحي بأنه كان جامعًا. أرفع رأسي، فلا أرى مئذنة. على يساري الشارع العام للمستعمرة، وغربًا حديقة عامة، أما خلفي فمبانٍ تجارية شاهقة، بُنيَت حديثًا، وتضم مكاتب وشققًا سكنيّة. على مداخلها لافتات لمكاتب محاماة وشركات تكنولوجيا وأدوية وعيادات أطباء ومحاسبة، أما طبقاتها الأرضية فتنبعث منها رائحة القهوة والكعك.
أمامي جدار تشبه حجارته حجارة منازل قرانا المهجّرة. هل هو الجامع وقد أزيلت مئذنته حديثًا؟
تعبر سيارة دفع رباعي ضخمة بيني وبين الجدار وتترجل منها امرأة خمسينية. أستوقِفها: “هل هذا كنيس؟” وأشير إلى المبنى، إلى الجدار.
تقول: “كان كنيسًا، لكنه خارج الخدمة. شمالًا، على بعد خمسين مترًا، هناك كنيس تقام فيه الصلاة الآن، يمكنك الصلاة هناك”. أشكرها، وأتوجه إلى حيث أشارت، فأجد كنيسًا، لكنه بناء حديث. لا جامع هنا. فالملاحظة كُتبت والصورة التُقطت قبل أربع سنوات، وهذا كل ما يحتاجه الصهاينة لمحو كل أثر له. إذًا، سأشرب القهوة وأمضي في طريقي إلى قرية كفر عانة.
المقهى شبه خالٍ. إمرأتان بلباس رياضي تحتسيان القهوة في الداخل. رجل يجلس وحيدًا، نظارته السوداء تغطي عينيه. سرواله الكحلي قصير وقميصه صيفي. ينظر باتجاه المرأتين، سيجارته بين أصابعه وكأس قهوة في يده اليمنى.
أقترِب منه وأسأله: هل توجد هنا مبنى قديم كانت يومًا ما مقر البلدية؟
— “امضِ مستقيمًا، سترى كراجًا لسيارات الأجرة، المبنى قبالته”، أجاب دون أن يلتفت إليّ
أنظُر حيث ينظُر. إحدى السيدتين تبادله النظرات.
— “ومن فضلك، هل من مئذنة بالقرب من هنا؟…جامع؟”
— “نعم. على بعد ثلاثمائة متر جنوبًا سترى المئذنة”
مددت يدي لمصافحته وشكره، فمدّ يده بعكس اتجاه يدي. اقتربت من وجهه، فذُهلت أنه أعمى. أخذت يده بيدي الاثنتين وصافحته بحرارة.
قال: “الجامع ليس بعيدًا، ستجده”.
قلت: “ما اسمك؟”…
“يتسحاك”.2

المئذنة
أتركه. أنظر في الاتجاه المقابل. ما زال الوقت مبكراً. الهدوء يخيّم على وسط المستعمرة. إنه يوم الجمعة، أول أيام نهاية الأسبوع لديهم. مقاهٍ شعبية ومبانٍ قديمة يفصُلها شارع واحد عن المقاهي الحديثة. يجلس أحد أبناء الطبقات الدنيا وحيدًا في أحد المقاهي. الشارع يخترق وسط المستعمرة: هنا كانت قرية “اليهودية” الفلسطينيّة العربيّة حتى 1948. بناها أهلنا وعاشوا فيها.
أبتعد عن الأعمى والمقهى. أنزل درجًا فتقع عيني على دار فلسطينية رُكنت أمامها سيارة دورية. هي الدار الوحيدة التي لم تدمَّر، واستغلوا البناء إلى قبل بضع سنوات كدار لبلديتهم. تخرج من الدار رقيبة سير شابة، تبادلني الابتسامة. أصوّرها والدار خلفها ثم أطلب منها أن تلتقط لي صورًا مع الدار. أسألها عن المئذنة، تجيب: سِر إلى الأمام، ستجدها. تصعد في سيارة الدورية وتنطلق.
أُكمِل سيري. على بعد مئتي خطوة أرى قمّة المئذنة يغطيها مبنى تعيس. قمة المئذنة ما زالت كما هي منذ أن هُجّر أهل “اليهودية”. ابتسمت وفرحت أيضًا للمفارقة. فقد أعتدت أن أصل إلى قرية مهجّرة وأحدق بالأرض لأجد حجارة المنازل أو حائط بيت أو مقبرة مخفية بينها. أما اليوم، فبحثت في السماء عن أثر لقُرانا، وليس على الأرض حيث الأعشاب البرية والأشواك والأشجار والسياج الشائك.
أجول حول المبنى التعيس فيظهَر الجامع ومئذنته أمامي. باب مدخله موصد بإحكام، وفوقه لافتة كتب عليها بالعبرية “كنيس شبازي”. أبتسِمُ للمَشهَد: كنيس مع مئذنة! لعله الكنيس الوحيد في العالم الذي يتضمّن مئذنة! أقترب أكثر. لافتة كبيرة الحجم معلّقة على الحائط كُتب عليها: “هذا برج مراقبة لوحدة “الاتسيل”3 التي دافعت عن “اليهودية”، ففي يوم الأربعاء 11.6.1948 نفّذ الأعداء هجومًا وأعادوا احتلالها، وقُتل اثنان من عناصر “الاتسيل”.
هكذا يتحدث النص الصهيوني الاستعماري: تحريرنا لأرضنا والدفاع عن وجودنا في وطننا هو احتلال وإعادة احتلال.
ينكشف اللغز: بقيت المئذنة على حالها لأن “البرج” أصبح “نصبًا تذكاريًا” تخليدًا لقتلاهم.





كلب السيّدة
المقبرة لا تبعد كثيرًا عن الجامع. سُوّيت بالأرض وأقاموا عليها حديقة عامة أطلقوا عليها اسم “تل هود”. أصعد إلى المقبرة… لم يبقَ منها أثر. أحدّق في الأرض وفي أطراف الحديقة، لعلني أجد قبرًا. لا شيء.
كلب متوسط الحجم يقترب مني، ثم يبتعد، يرفع رجله ويبول. يبتعد قليلًا، يقوّس ظهره ويقضي حاجته في مكان ربما كان قبرًا لأحد من أهلنا. تلحَق به امرأة خمسينية قصيرة القامة، ترتدي شالًا يبرز كتفيها وذراعيها الصغيرتين. صغر نهديها كان يكفي هذا الشال ليتوارى بهما، أما سروالها القصير الملتصق بأعلى فخذيها فيكشف عن ساقيها البيضاويتين القصيرتين. تتقدم نحو بَراز كلبها، تجمعه ثم تلقيه في سلة النفايات.
العبّاسية
أَترُك المقبرة متوجهًا إلى المقهى ذي الطابع الغربي. رواده من الطبقة الوسطى الإسرائيلية. هنا جلس الأعمى (وعرب إسرائيل)، محامون من الجنسين، رجال ونساء بملابس رياضية وملابس ركوب الدراجات، موظفو وموظفات شركات التكنولوجيا، دلّالين (يسمّونهن عمال ماركيتينغ !)4. أجلس في طرف المقهى، أراقب هذه الوجوه وأسلّي نفسي بحزّورة: من منهم جندي؟ وكم قتل من الفلسطينيين؟ ومن منهم عنصر مخابرات؟ ومن منهم سيعود إلى كتيبته في لبنان؟ ومن منهم كانت تنبهر به عشيقة عربية إسرائيلية؟ ومن منهن اشتهت عربيًا إسرائيليًا أو عاملًا فلسطينيًا شارك في ورشة تصليح في بيتها؟
أفيق من لعبة التخمين على صوت رجل ستيني يسألني بالعبرية بلكنة أنغلو-ساكسونية إن كان الكرسي بجانبي شاغرًا. أجيب: لا أحد يجلس هنا. يسحب الكرسي ويضعه إلى جانب رفاقه، وتبدأ ثرثرتهم العنصرية حول الغزيين (أهل غزة) و”الضفاويين” (أهل الضفة الغربية) والعرب “خاصتنا” (من لم يغادروا الوطن من الفلسطينيين وأصبح جزء كبير منهم عرب إسرائيل، وآخر بقي فلسطينيًا). و”خاصتنا” من أحقر تعابير العنصرية التي يطلقونها، إضافة إلى تسمية “عرب إسرائيل”، وهنا سيكون لنا حديث منفصل.
أهرب من ثرثرتهم. أفكّر: كيف، ومتى، وفي أي لحظة قرر أهل “اليهودية” تغيير الاسم إلى “العباسية”؟ كان ذلك في بداية ثلاثينيات القرن الماضي، ووراء التغيير مدرّس يافوي درس في القرية.
كيف ولماذا فكّر ذاك المدرّس في اسم “اليهودية” ليتبنّاه؟ وما علاقته بالحركة الصهيونية وكذبها الإيديولوجي؟ الأرجح هو أن المدرّس أراد إبعاد أي شبهة أو ادعاء للقول أن فلسطين هي “أرض إسرائيل”؟ فلمّا كان اسم “اليهودية” منسوبًا إلى مقام “هود” أحد المقامات في القرية، فغيّر المدرّس الإسم إلى “العباسية”، نسبة إلى مقام آخر في القرية هو مقام عباس. وهكذا أصبح اسمها “العباسية”. أما الصهاينة فأصروا على الاسم الأصلي: اليهودية.
أكره البنايات الشاهقة
أغادر المقهى، أنظر في هذا الجمع وأعود إلى صوابي: بهذا الزي الذي يطلقون عليه مدنيًا أستطيع دائمًا مواجهتهم. أمّا “عرب إسرائيل”، وهم الطبقة الوسطى من أحفاد أهل فلسطين الذين بقوا في الوطن وأصبحوا نسخة هزيلة عن المستعمر، فلا أستطيع مواجهتهم مهما كان زيّهم. لا أثق بهم، فهم أداة المستعمِر للحصول على خدمة ما، والمستعمِر قادر على دفع الثمن الأعلى دائمًا.
ابن بريق هي محطتي الأخيرة اليوم. قبلها سأزور كفر عانة التي تقع إلى الجنوب من مقام هود أو هودا. التطبيق الصهيوني يرسم لي دربًا متعرّجًا: شمالًا فغربًا فشمالًا فغربًا فجنوبًا. المسار يشير إلى أماكن مأهولة كان اسمها قطعة المراح والجورة، كانت بمحاذاة وادي المجنونة قبل الاستعمار الصهيوني5، تمتدّ على طول سكّة حديد يافا القدس التي لم يعد لها أي أثر.
أبتعد عن المقهى. أسمع صوت هبوط وإقلاع الطيران. أنظر إلى السماء، طائرة تستعد للهبوط. مطار اللد قريب جدًا. أنشأه الاستعمار البريطاني على أراضي قرى عدة، منها أراضي قرية “اليهودية”. استولى عليه الصهاينة وأطلقوا عليه اسم مطار بن غوريون.

بعد ساعة من المشي، أدخل زقاقًا هادئًا. أشعر بألم في وركي فأجلس لأستريح على عتبة تفضي إلى سبيل بين منازل متراصة. تقع عيني على رجل في مقتبل الستينات خرج من أحد المنازل المتراصة على امتداد الزقاق. خطواته ثقيلة وظهره منحنٍ من أعلاه. يحمل في يمناه دلو ماء، وفي يسراه خرقة صغيرة. وقف قبالتي يغسل سيارته بالماء والصابون.
كان متصهينًا من يهود اليمن، يغسل سيارته بعناية وحنيّة فائقة. يرجع إلى الوراء ويراقب كل بقعة انتهى من تنظيفها. يقترب من السيارة، ينحني قليلًا، يغمض عينيه وينظر مستقيمًا، ثم يقترب من بقعة صغيرة، يفركها قليلًا ثم ينفخ الغبار عنها. وفي حين كان يضع الخرقة في الماء ويعصرها ليكمل الغسيل، قلت له: هل أنت من هنا؟ أشار إلى المنزل الذي خرج منه وقال: ولدت في هذه الدار.
— أنت مشاء؟ سألني.
— نعم، أجبت، وأضفت: هل تعرف تعداد السكان هنا؟
— لقد توقفت عن العد منذ زمن بعيد. أكره البنايات الشاهقة المجاورة. أنا أحب السكن في الدور الجاثمة على الأرض. حين ولدت كنّا 400 شخص، أمّا اليوم فأكثر من أربعين ألفاً.
أشرب الماء وأفرك رجلي. هو يسكب الماء على سيارته، يلاطفها، يداعبها حتى تلمع. يتأمّل كل مليمتر، يفركه ويلمّعه. بأظافره يزيل كل بقعة صغيرة عنيدة لم يفلح في إزالتها بالماء والصابون، ثم يفرك ظفره بظفر آخر ليزيل الأوساخ. بعدها ينفخ على الظفرين ليتأكد أنها ذهبت مع الريح. يبتعد قليلًا، يتفقد سيارته من الأمام ومن الجوانب، ينحني وينظر مستقيمًا إلى جانبها. يدور حولها، وكلما اقترب من أحد مصابيحها يمسحه. يقف أمامها متمعنًا. تلمع نظيفة كما أرادها: سيارة برّاقة.
يضع الخرقة في الدلو ويحمله، ثم يدخل من حيث أتى. يفتح البوابة، يتحسس جيبه، يخرج مفاتيح السيارة، يطمئن، يعيدها إلى جيبه، ينظر إليّ ويسأل: هل تريد ماء بارد؟… شكرًا، لدي ما يكفيني.
أنهض وأمشي في زقاق كان يومًا أرضًا لأهل “اليهودية” اسمها القطعة. أقام المستعمرون عليها هذا الحي.
أترك الزقاق وأعرج يمينًا إلى الشمال، ومن ثم إلى الغرب. أقترب من جادة عريضة على الطرف الغربي لليهودية. بحسب أطلس فلسطين، كانت سكة حديد يافا القدس تمرّ من هنا، ولكن لم يعد لها أيّ أثر. لا شيء.
أمضي في طريقي. يشير تطبيق المشائين إلى مسار بالانحناء على شكل رقم ٨، حيث الوجهة كفر عانة. هكذا أيضًا تقول الخارطة العبرية، وتنوّه: “حتى سنة 1948 كانت قرية عربيّة”. على جانبَي الطريق مخازن غذائية، ومخازن خُرَق وحديد، ومخازن كراسي وطاولات بلاستيكية للتأجير للمناسبات والاحتفالات، بالإضافة إلى مسلخ ومخازن لحوم. منطقة شبه عشوائية.
على الأغلب، تبعد كفر عانة عشرات الأمتار من هنا، ومعنى اسمها كفر الغنم (عانا = غنم)6، وهو اسم آرامي كنعاني. تغطي الأعشاب الكثيفة والشائكة التلة من حولي، مشهد مألوف… أقترب أكثر فأجد حجارة مبعثرة تشبه حجارة القرى المهجرة. ينكشف المكان: جدار عالٍ يمتد لحوالي عشرين مترًا، نصفه مدمّر. أشق طريقي إلى أعلى التل، فأرى جامعًا مدمّرًا بلا مئذنة ما زال يشغل الحيّز الذي شُيّد عليه.


أعبُر بين الاشواك بحذر، اتمعّن في حطام المنازل، ألمسها كما يفعل الأعمى ليدرك محيطه. أتابع النزول من على التل وأستدير حوله، أتفقد ما بقي من القرية. في منتصف الدرب حول التلة كشك لبيع التذاكر وملصقات لفنانين صهاينة، وموقف سيارات صغير الحجم، ومكان لعروض وحفلات صغيرة ومتوسطة. أدخل خلف كشك التذاكر. أعاين يميني، فأرى حقلًا من البطيخ يعمل فيه عمال تايلانديون منهمكون في قطافه. وأمامي عمارات شاهقة لمكاتب من النوع المذكور سابقًا. الأرض، قبل أن يصهينوها، كان اسمها “سكارة حمودة”.

أمشي خمسين مترًا، فتنكشف أمامي الجهة الغربية للتلة. رجل يتكئ على حزم من الكراسي البلاستيكية البيضاء يراني ويبتسم.
— ما أحوالك؟ سألني.
— أبتسم وأجيب: تمام، وأنت؟
— لا بأس، يجيبني.
— هل هذه كفر عانة؟ أسأله.
— نعم.
— ما هذه المنازل هنا؟
— ما تبقى من معسكرات التصنيف أو الانتقال، يجيب،
— 7تقصد أنهم حولوا كفر عانة إلى معسكر لسكن المهاجرين منكم بعد الـ 48؟
— نعم.
كنت قد نطقت “كفر عانة” باللهجة الأصلية فتفاجأ قليلاً وابتسم، ما شجعني أن أردف كلامي وأقول “أنا من الناصرة.”
— أنت مشاء؟
أخبرته قصة المشي وهدفي، وأنني زرت ما لا يقل عن 500 قرية مهجّرة، وأنّي اليوم زرت اليهودية وأنا في طريقي إلى “ابن براق”. أدخل كلامي هذا البهجة إلى نفسه. لم أصادف شخصًا منهم تُسعِده الحقيقة.
— تمشي كثيرًا.. أنت محظوظ، هنيئًا لك.
— ولماذا لا تمشي؟ ولكن أولاً، ما اسمك؟
— يخزكيل … يصعب عليّ المشي في سنّ الستّين، ومرض السكري يهمّ للقضاء عليّ.
عندما ذكر مرض السكري، ورغم ابتسامي ولهفتي للحديث معه، أخفيت عنه امتعاضي. تعجّبت أن مرض السكري ذكّرني بكل الانحطاط الذي يوصف به عرب وعربيات إسرائيل، ريائهم وإنكارهم لخِياناتهم الشخصية والوطنية.
تداركت وسألته إن كان من أصول يهودية مغربية. قال: لا، لا، أنا عراقي (يهودي). قالها بالعربية. قلت: إنه لشيء رائع. كنت قد قرأت الكثير عن يهود العراق، فأخبرته بما أعرفه، وأنهم عرب مثلنا. أعجبه كلامي كثيرًا. أطَلنا الحديث كأننا أبناء شعب واحد.
قلت: لا أراك عدوًا. فرح الرجل كثيرًا، وأصبح حديثه كله بالعربية العراقية. قال: تعلمت منك في أقل من نصف ساعة ما لم يعلّمني إياه أحد. كيف لنا أن نلتقي؟
قلت: لماذا لا تأتي لزيارة الناصرة؟
قال: سآتي.
— الى اللقاء إذا يا “يخزكيل”…
— ما عساك؟ انا “حزقيل”، (قالها موبخًا) مع السلامة.
مضيت في طريقي… لقد عرّفني باسمه الصهيوني، يخزقيل، في البداية، وكان الحديث بالعبرية. بعدها تحدث بالعربية، وعاد إلى اسمه العراقي، حزقيل.

العامل خاصتي
أمضي في طريقي إلى ابن براق، قرية مهجّرة غيّر أهلها اسمها إلى الخيرية سنة 1926، لأسباب فرضها الاستعمار الصهيوني وعقلية ردّ الفعل والنكاية الفلسطينية.
في أوائل سنة 1926 اشترى مستعمرون أراضي من أهل ابن براق8 وأقاموا عليها مستعمرة أطلقوا عليها اسمًا شبيهًا باسم القرية، وهو “بني براك”. فغلب الاسم الاستعماري، مع الادعاء بأن القرية، كما الاسم، توراتية، فقرر أهل القرية تغييره إلى الخيرية، كما حدث مع أهل اليهودية.
في تطبيق خارطة المشّائين وجدت جزءًا من الشرح أعلاه، وإلى جانب الشرح صورة لمنشأة ادعوا أنها المنزل الوحيد المتبقي من ابن براق، ما حفّزني أكثر على الذهاب إلى المنزل لأجده.
تعيدني الخارطة، بعد أن طلبت من التطبيق تحديد الدرب الوصول إلى المنزل، إلى الشارع العام الواصل بين يافا القدس و”اليهودية”. الآن، أرى بوضوح مطار اللد وحركة إقلاع وهبوط الطائرات على يساري، وعمارات شاهقة متراصة على يميني، وعلى الطريق العام سيارات مسرِعة. ومن هنا، بحسب أطلس فلسطين أيضًا، مرّت سكة الحديد العثمانية.
مشيت ما يقارب الثلاث كيلومترات. التطبيق يشير بأن عليّ الانحراف شمالًا. خارطة فلسطين تشير إلى أنها أرض قرية الساقية، وموقعها لا يبعد كثيرًا من هنا. لا أثر لها. أقاموا عليها مستعمرة طَمسَت كل معالمها.
أمرّ بسوق هذه المستعمرة. يعجّ السوق بأناس من الطبقات الدنيا. السلع والخضروات بائسة أو عاديّة الجودة. أقف على الإشارة الضوئية إلى جانب المتسوّقين. على يميني شاب بلباس اليهود المتزمتين الأصوليين، يحدق ويتفحّصني من أسفل إلى أعلى، ولا يفارقني بنظرته الوقحة.
— ما بالك تنظر إليّ هكذا؟ هل تعرفني؟ قلت له بنبرة حادة.
— من أنت؟ سأل.
— وما دخلك لتسأل؟
— لباسك غير مألوف هنا.
— هل تكف عن التحرش وتذهب إلى غايتك؟ قلت له بحدة.
— إلى أين أنت ذاهب؟
— إلى بني براك، أجبت بابتسامة ساخرة ونظرت إلى الأمام.
— ولكن الطريق على يمينك وليس أمامك، قالها وكأنه كشف سرًا.
— أعرف ذلك، ولكني ذاهب من هنا.
أعطت الإشارة الضوء الأخضر، فإذا به يركض إلى الأمام، يتلفت صوبي ويجري بسرعة أكبر، ثم يختفي.
أمضي في طريقي، أنظر إلى يساري، فإذا بي أعاود المشي باتجاه الشارع العام. أحتار: لماذا رسم لي تطبيق المشّائين هذه الخارطة المتعرّجة؟ تارة يخرجني من الشارع العام، وتارة أخرى يعيدني إليه. مرة أخرى يبعدني التطبيق عن الشارع العام باتجاه الشمال، والآن أجد نفسي بمحاذاة أعمال إنشاء لقطار ضواحٍ ملاصق لشارع يافا القدس واليهودية. جميع منافذه مغلقة، مسيّجة، وبداخلها عمال مياومون جميعهم من الهند. أنادي على أحدهم، فيشير إليّ أن أدخل من منفذ خُصص لخروجهم ودخولهم، ثم أمضي في طريقي.
مرة أخرى يأخذني التطبيق إلى الشمال، بعد الغرب، ويبعدني في متاهة لا أعرف أين نهايتها. أنظر إلى الخارطة: دربي من هنا؟ لكن الأعشاب والأشجار والشوك عالٍ وكثيف. فكيف سأخترقها؟ أتمعن في الخارطة، أجازف وأمضي، لا أحيّد خطوة عن الدرب. يوخزني الشوك، وترتطم أغصان الأشجار المكسورة بجسدي. بقيت على هذه الحال لمسافة تقارب المائة متر حتى انقشعت أمامي أكوام كبيرة من النفايات والقمامة تغطي محيطًا لا أرى ما بعده.
أشمئز، وأعزي نفسي بأن لا رائحة كريهة تنبعث من الأكوام الهائلة للنفايات، إلا أنه ومن غير سبب شبهتها ببعض “عرب إسرائيل” وعشقهم للمستعمر، ومنهن من يرفع شعارات الشراكة “اليهودية العربية”، الشعار السحري لقهر أي مشروع تحرري. كان تسللهم إلى ذهني مجرّد ومضة أطفأتها سريعًا، فالأهم هو اجتياز تلة نفايات من دون أن أتعثر. أمضيت نصف ساعة أقفز من كومة إلى أخرى من دون أن أرى شيئًا في الأفق. فجأة أرى ما يشبه دربًا ترابية بين الكثبان. أترك الخارطة وأسير باتجاهها. أهبط بحذر من أعلى كومة نفايات وأجد نفسي على طريق ترابية تتّجه شمالًا وجنوبًا. أذهب شمالًا، فغربًا، فجنوبًا، كما تملي عليّ الخارطة. حسب أطلس فلسطين، الأرض التي مشيتها قبل أن تصبح بؤرة نفايات هي أرض الزعرورة، أما المستعمرة البعيدة أمامي فأقيمت على أرض جماسين الشرقية.
في التقاطع بين الشمال والغرب أرى رجلًا من “الأوسط يودين” (أشكناز) وكلبيه يقتربون مني. رجل طويل القامة، أصلع حليق الرأس في مطلع الستينات من عمره. عضلاته دهنية رغم مثابرته على ارتياد النوادي الرياضية،. أمّا لون بشرته فيميل إلى الأبيض الزهري. حين رآني أمر كلبه بالتوقف ورَبَطَه برسن، أما الكلب الآخر فهرول نحوي فداعبته. اقترب الرجل مني متوجسًا، ينظر إلى هاتفي وأنا أنظر إلى الخريطة ومن حولي. أُبعده، فلم أستسغ تطفله. يسألني إن كنت أبحث عن شيء. أجيبه أنني أود التوجه إلى غربًا ثم جنوبًا، فقال: ستصل إلى مفترق طرق.. قاطعته وقلت: أريد أن أذهب أبعد منه.
حاولَ مرة أخرى إمعان النظر في هاتفي، ثم سأل: “إلى ماذا تنظر؟” قلت: خريطة مشّائين. مدّ عنقه وقال: هل لي أن أراها؟ قبضت على الهاتف بقوة ووضعته في مقابل وجهه، وقلت: اسمع، أنا مشّاء منذ زمن بعيد، وهدفي تفقد كل فلسطين من الشمال إلى الجنوب، والقرى والبلاد التي دمرتموها. كنت في اليهودية، والآن ذاهب إلى ابن براق. قال: نعم، إنها هناك بعد الجسر، ولكن هذه أرض اشتريناها قبل ثلاثينيات القرن الماضي. ثم أضاف: من أين أنت؟ قلت: من الناصرة. من الناصرة المدينة أم من الضواحي؟ سأل. قلت: من الناصرة.
كان يتكلم وكأنه الحاكم بأمر الله، الرئيس الآمر الناهي. أردف وقال: العامل خاصتي من الناصرة، وذكر اسمه. كان ذِكر هذا التعبير كافيًا لكي أحتقره وأشعل الغضب بداخلي. تمالكت نفسي. حسبت أنه متعهد بناء وأن أحد عمال ورشته من الناصرة، فهذا التعبير يناسب عنصريتهم؛ فيه معنى مجازي يقصد منه أننا عمال مياومة، غير حرفيين أو متعلمين، وعمومًا شعب متخلّف، وعليه يحق لهم أن يكونوا أسيادنا. قلت: هل أنت متعهد بناء؟ قال: لا، لدي مكتب محاماة، و”العامل خاصتي” محام يعمل عندي. سألته عن اسم المكتب وتخصصه وعن اسمه… تركته وانعطفت جنوبًا. كنت غاضبًا، فهذا التعبير هو من تعابير التعالي والاحتقار التي يستعملها الصهاينة. أما حين تعمل عربية إسرائيلية في شركة صهيونية وتكون “محظية” رئيس الشركة، فيطلق مَن حولها عليها، سخرية منها: “العربية خاصة الرئيس”.
فاصل – عرب إسرائيل
على مدى السنوات الطويلة التي مشيتها بين القرى والمدن والبلدات المهجّرة، كنت أتخيل دائمًا أهلها لاجئين في كل أقطار العالم. ولم يخطر ببالي، أو لم أكن أبالي، بنوع آخر من المهجّرين: النازحين من قراهم المدمرة إلى قرى إيواء لم تُدمّر، كالناصرة، التي آوت نازحين من بيسان وصفورية والمجيدل والصبيح وغيرها، وقد أصبحوا اسمهم “مواطني دولة إسرائيل”. كان صاحب “العامل خاصتي” من أبناء النازحين، حسب اسم عائلته. وهناك كثر غيره من النازحين الذين تصالحوا مع “دولة إسرائيل”، وامتدحوها ودافعوا عنها. لا يعنيهم ماضي أهلهم، ومنهم من لا يتذكر اسم قريته أو بلدته المدمّرة، مثل عائلة هُجّرت من بيسان، تبنّاها المستعمرون نموذجًا لـ”العرب الأليفين” الناجحين، وهم بالعشرات، وساعدوهم على تأسيس مصالح مثل تجارة السيارات وتصليحها.
في اللحظة التي ذكر فيها هذا الرجل الأبيض تعبير “العامل خاصتي”، واسم العامل والنازحين الباقين في الوطن، عرفت أن عليّ التطرّق إلى موضوع هذه الشريحة، “عرب إسرائيل”، وهم جزء من أهل فلسطين الذين لم يتركوا وطنهم في الناصرة أو الطيرة أو حيفا. لم أفهم لماذا أغفلتهم وهم الفئة السياسية الاجتماعية الكبرى والعائق الأساسي لحريتنا ونضالنا. “عرب إسرائيل” هم اليوم الأغلبية من فلسطينيي فلسطين الحاصلين على المواطنة الإسرائيلية. والمصطلح يعبّر عنهم، بخلاف الفلسطينيين، لأنهم ربطوا مصيرهم، أفرادًا وجماعة، بمصير “دولة إسرائيل”، وقبلوا كونهم أقلية قومية، كما لو أنّنا عرب في إيران مثلًا. أما الفلسطينيون، وهم قلة بين هؤلاء، فهم من ربطوا مصيرهم بنضال الشعب الفلسطيني. ومن الجدير التطرّق لهذه الحالة قليلًا، حتى لو لم تكن موضوع النص الأساسي.
يمكن تمييز “عرب إسرائيل”، باختصار، حسب مجالات عدة: السياسي، والأخلاقي، والثقافي، والوعي. فهم ينتمون إلى الطبقة الوسطى الإسرائيلية، المتوسطة والمتدنية، ويتفننون في الوسيلة المحببة لديهم لتحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية في إطار طبقتهم: التملق والافتتان بالمستعمِر/ة. فلا يفوتون أي فرصة، إن كانت مناسبة أو غير مناسبة، لتذكير المستعمِر بأنهم أقرب إليهم في كل شيء، حتى في ذائقة الطعام، وإلى أصدقائهم وزملائهم الصهاينة في العمل، وإلى الصهاينة عمومًا، من أهالي القرى والمدن العربية الفلسطينية مثل أم الفحم. ويكررون ذكر أم الفحم تحديدًا بسبب كره الصهاينة لها، ولنضالها العريق والكبير. فالحركات الوطنية، الإسلامية والعلمانية، ترعرعت ونشأت بها، ونذكر على سبيل المثال أبناء البلد والحركة الإسلامية الشمالية.
وإذا سألتهم/ن عن الأوضاع الصعبة لمدن الداخل وقراها، فينسبونها ليس إلى سياسات استعمارية واضطهاد ممنهج، وإنما إلى “العقلية المتخلّفة للعربي”. أما كلمة “عربي” فهي قذف وذمّ بالنّسبة لهم ولهنّ، تمامًا كما يراها الصهيوني. لذلك يميلون إلى التشدّد في إبراز إسرائيليته/ن، وأنه/ن مواطنون/ات صالحين/ات، مخلص ومخلصات لـ”دولة إسرائيل” قبل كل شيء.
وهنّ (وهم) يبذلن مجهودًا عظيمًا ليمدحهنّ أو يغازلهنّ المستعمر، فهذه أهم شهادة يمكن الحصول عليها في مجمل حياتهن. أما العربية الإسرائيلية، فهي محظوظة إن قبلها رئيسها على مستوى أبعد من علاقات الزمالة. يردّدون أنهم مع السلام، ولا أحد يعرف ما هو هذا السلام. يدافعون عن الديمقراطية الإسرائيلية و”العقل اليهودي”، ويقولون أن العرب لا فائدة منهم، فيكررون الخطاب الصهيوني العنصري بكل قذارته. فتسمعهم يسألونك للتحقير والسخرية: “أين السيارات التي اخترعها العرب؟”، كما عند ملاحظتهن، وليس نقدهنّ، لرجعية الأنظمة الملكية والمستبدة العربية، كما لو أن الشعوب العربية انتخبتها، ووجودها انعكاس لطبيعة العرب المتخلفة، وليس شيئًا فُرض عليها.
أما أسماء أبنائهم وبناتهم، فيتمّ اختيارها حسب مقدرة الصهيوني على لفظها، فلا حرف حاء ولا حرف عين ولا حرف ضاد. هكذا تنتشر بينهم أسماء تامر وليان وميساء ونديم وسامي ولور ونوف… هم/ن لا يتكلّمون مع أولادهم وعائلاتهم بالعربية، وإنما بالعبرية، مطعمّة ببضع كلمات عربية مقبولة على الصهاينة مثل “أهلًا”، “صبابا”، “كيف”، وتلفظها سيدات وسادة عرب إسرائيل بالنغمة الصهيونية، وليس بمخارج الحروف العربية.
قمة السعادة بالنسبة لهم هي حين ينظر إليهم المستعمر ويبتسم زاهيًا ويمدحهم بقوله: “ما أجملكم/ن، أنت لا تشبهون العرب”. وهنا تخجل “المحظية” والمحظوظ، وترفع رأسها عاليًا وتقول بابتسامة عريضة ومغرية: شكرًا.
أما المتماثلون بالمطلق مع المستعمِر، فيتمنون أن يُقبل أبناؤهم وبناتهم في مدارسهم العبرية. أما إن ذُكر أحدهم في صُحف المستعمِر، ولا يهم إن كان مديحًا أو ذمًا، فيضعون المقال نيشانًا على صدرهم.
سأكتفي بما كتبت… هي لحظة من الإدراك ولّدها هذا المستعمر مع كلبيه، دفعتني إلى أن أكتب لأول مرة عن “عرب إسرائيل”، نظرًا للدور الخطير الذي يمارسونه أفرادًا وجماعات في تثبيت الاحتلال الثقافي والمعنوي، وعملهم الدؤوب ضد النضال الفلسطيني. فهم، برأيي، لم يشاركوا في مسيرة العودة أو يوم الأرض أو إضرابات عامة مثل إضراب سنة 2000 أو هبة أكتوبر. هكذا يصبح المستعمر/ة والعربي/ة الإسرائيلي/ة وجهين لعملة واحدة.
ابن براق – الخيرية
أتابع طريقي. تفصلني مسافة نصف كيلومتر عن قرية ابن براق ومفترق الطرق الذي يوصلني إلى المنزل الوحيد الباقي من ابن براق، كما كتب أحد المشّائين الصهاينة في الخارطة التفاعلية. صادفت على يساري دارًا جميلة تشبه دور أغنيائنا قبل التهجير. أقترِب قليلًا، فأسمع صوتًا يصدح بالعِبرية: “إياك أن تقترب، عُد من حيث أتيت”. أنظر إلى الأعلى: امرأة أستطعت بالكاد أن أرى ملامحها. تصرخ مجدّدًا: “ابتعد! إياك أن تقترب!” ثم تمدّ جسمها إلى خارج الشباك وتبدأ بتصويري. أرجع إلى الخلف وأطيل التمعن والنظر في الدار ذات الطوابق الثلاثة… وحيدة، جميلة. هي حقًا جميلة. على الأرجح هي إحدى دور ابن براق/الخيرية.

أعبر المفرق إلى الضفة الشمالية لشارع يافا القدس واليهودية. الدار الوحيدة في ابن براق في الجهة الجنوبية. أنتظر الإشارة الخضراء. المكان بائس، لون الأسمنت طاغٍ على منشآت المستعمرة. أعبُر المكان وأمشي مسافة مائة وخمسين مترًا إلى الجنوب حيث الدار. الشارع الرئيسي ملاصق لوادي نصرة والوادي الكبير. أنزِل على حافته الشمالية، ثم أتسلق حافته الجنوبية. الأرض مغطاة بالأشواك والأعشاب اليابسة العالية، ما يزيد من مشقّة العبور. أشق طريقي، لا أثر لمنزل. لعل الدار التي طردتني منها تلك المرأة هي الدار الوحيدة الباقية من ابن براق – الخيرية؟ لا أعلم، رغم أنها توحي بذلك.
أقف الآن على أرض الخيرية أو ابن براق، وهما الإسمان لهذه القرية الفلسطينية. فبعد أن حصل المستعمرون على أرض من أراضي ابن براق، أقاموا سنة 1926 مستعمرة أطلقوا عليها اسم بني براك(ق)، وهو ما أثار غضب أغضب أهل ابن براق ودفعهم إلى تغيير اسمها إلى الخيرية. وصار الناس يطلقون عليها الاسمين معًا. وهكذا تنازل أهلنا عن اسم قريتهم الأصلي الذي يمتد إلى آلاف السنين، لصالح المستعمر والكذبة: الخطاب الصهيوني.
أبحث عن المنزل في كل مكان، لا شيء… أمامي، على بعد مئات الأمتار تقع تلة فيها مقاعد جلوس للمتنزهين بعد أن قامت بهندستها يد صهيونية لتحوّلها إلى منتزه. والتلة اصطناعية، ففي هذه البقعة والمكان من ابن براق (الخيرية) كانت الأرض منبسطة. وهذه التلة هي تراكم نفايات وقذارة المستعمرات المحيطة بها مثل مستعمرة تل أبيب ورامات غان وغيرهما. وكان الصهيوني يسميها “مزبلة خيرية” (ترجمة حرفية)، أي مكب النفايات – الخيرية.
لقد مشيت حتى الآن مسافة 17 كيلومتر. سأتوجه نحو سيارتي لأعود إلى داري. أتحرّك، أجتاز وادي نصرة، وأمشي بمحاذاة شارع يافا القدس – اليهودية. أتعثر، فأسقط بين الأشواك، يسيل الدم من يديّ ورجليّ، خدوش سطحية مؤلمة بعض الشيء. أجلس تحت ظلّ شجرة بمحاذاة الشارع. السيارات المُسرعة تحرّك الهواء. أنهي وجبَتي وشرابي، أضع حقيبتي على كتفي، وأطلب من التطبيق أن يدلّني على أقصر طريق من ابن براق إلى اليهودية، حيث ركنت سيارتي ـ المسافة 6 كم!
أَنطلِق. لا أريد أن أفكر بأي شيء، لا أريد أن أرى أي شيئًا، لا أريد أن أكون مع عرب إسرائيل ولا مع الصهاينة. لم أعد أحتمل أيّ شيء. قررت ألا أفكر، ألا أشعر. تحديت نفسي، فقررت أن أقوم بالعدّ حتى أصل إلى سيارتي، وكلما وصلت إلى المئة أبدأ بالعدّ من جديد… 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8… وهكذا بقيت على هذه الحالة.
أشعر بالعطش، ومطرتي فارغة. ثلاثة آلاف…. 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7…

وصلت إلى سيارتي. توجهت إلى المقهى التي قابلت فيها الأعمى. كان المقهى يهجّ بالناس. وقفت في صفّ انتظار طويل ثم طلبت الماء والقهوة، وتوجهت إلى سيارتي. أدرت المحرك ونظرت في المرآة الخلفية، فرأيت الرجل الأعمى بعكازته يتقدم نحوي. أنزلتُ الزجاج. وقف ونظر بعيدًا وقال: “هل وجدت المسجد؟”
“بعد مغادرتكَ المقهى، جاءت إحدى السيدتين اللتين كانتا تجلسان في الداخل، وسألتني إن كان اسمك… لا أذكره كله، ولكن كان فيه اسم حسن. فقلت لها: لا أعرفه. فقط سألني عن المسجد.”
لم أعهد أغرب من هذه الصدفة منذ سنوات طويلة. الآن أعرف من كانت تلك التي جلست وأدارت ظهرها لي. تركت نفس المكان قبل 34 سنة. استدارت وأدرت ظهري أنا أيضً، ولم أرها منذ ذلك اليوم. كانت أول إسرائيلية عرفتُها. رفضَت أن تخدم في الجيش وحاربَت الصهيونية، ثم تركَت العلمانية بعد تلك الليلة وانضمت إلى طائفة من اليهود المتزمتين الأصوليين.
في طريق عودتي بحثت عن قصيدة محمود درويش “على محطة قطار سقط عن الخريطة”، فإذا بي أسمعه يقرأ:
“لا شيءَ يُعْجبُني”
يقول مسافرٌ في الباصِ – لا الراديو
ولا صُحُفُ الصباح, ولا القلاعُ على التلال.
أُريد أن أبكي
يقول السائقُ: انتظرِ الوصولَ إلى المحطَّةِ,
وابْكِ وحدك ما استطعتَ/
تقول سيّدةٌ: أَنا أَيضاً. أنا لا
شيءَ يُعْجبُني. دَلَلْتُ اُبني على قبري،
فأعْجَبَهُ ونامَ، ولم يُوَدِّعْني/
يقول الجامعيُّ: ولا أَنا، لا شيءَ
يعجبني. دَرَسْتُ الأركيولوجيا دون أَن
أَجِدَ الهُوِيَّةَ في الحجارة. هل أنا
حقاً أَنا؟
…
يقولُ السائقُ العصبيُّ: ها نحن
اقتربنا من محطتنا الأخيرة، فاستعدوا
للنزول…/
فيصرخون: نريدُ ما بَعْدَ المحطَّةِ،
فانطلق!
أمَّا أنا فأقولُ: أنْزِلْني هنا. أنا
مثلهم لا شيء يعجبني، ولكني تعبتُ
من السِّفَرْ.
* محمود درويش
- (بالعبري) للاطلاع على هذا النهج الصهيوني انظر كتاب “لحظة مكان” – يهودا زيف ↩︎
- الشخصيات التي صادفتها إسرائيلية من المستعمرين وكل المحادثات معها دارت بالعبرية إلا إذا تمت الإشارة إلى غير ذلك ↩︎
- عصابة ارهابية صهيونية نشطت في فلسطين وارتكبت مجازر عدة ضد أهل البلد الفلسطينيين، من ضمنها أحدى أكبر المجازر وأكثرها إجراماً: مجزرة دير ياسين. من أهم قيادتها مناحيم بيغن. وأثناء توليه منصب رئيس وزراء المستعمرة، ارتُكبت مجازر صبرا وشاتيلا التي نفذتها عصابات إرهابية يمينية لبنانية بتشجيع من الصهاينة. ↩︎
- في ثمانينات القرن الماضي افتتح شخص من الناصرة مكتب دلالة كان يسميه مكتب دعاية وهي ترجمة حرفية للمصطلح العبري بدل وكالة دعاية وإعلان. كان يردد دائمًا أنه انجز عملاً “وطنيًأ” أدى إلى رقي المجتمع العربي (الإسرائيلي) بعد أن أقنع المرأة العربية بشراء الدجاج المثلج بدل الدجاج الحي من القصّاب. وعلى هذا المنوال يمكن قياس إنجازات الدلالات والدلالين من عرب إسرائيل. ↩︎
- أطلس فلسطين 1917-1967 من إعداد سلمان أبو ستة ↩︎
- ذاكرة المكان -أسماء القرى الفلسطينية ما بين الاستمرارية والطمس الصهيوني 2026 ↩︎
- بعد سقوط فلسطين بدأت هجرة يهودية مكثفة من جميع أنحاء العالم وخاصة من الوطن العربي ازداد عدد المستعمرين بنحو 80% كان المهاجرون صنفان الصنف الأول من شرق أوروبا وهم من نفس القومية للمستعمرين الذين احتلوا فلسطين مثل بولندا وروسيا واكرانيا وكانوا الأقلية هؤلاء حصلوا على ظروف معيشية ودعم من قبل مؤسسات المستعمرة(إسرائيل) وتم منحهم منازل فلسطينية مهجورة ذات جودة عالية لفلسطينيين هجروا من قبل المستعمرين ،اما الأغلبية فكانوا يهود من الوطن العربي ودول أسيوية هؤلاء وطنوا في المنازل الغير صالحه التي هدمها المستعمر او الى جانب القرى المهجرة او أماكن نائيه بدون مقومات حياة اساسيه و طلب منهم ان يعيلوا أنفسهم بواسطة العمل لدى مستعمرات اليهود الشرق أوروبيين (الاوست يودين) كانت تجمعات سكنهم تسمى “المعبراه” ما يمكن تسميتها بالعربية معسكر الانتقال أو التصنيف. ↩︎
- للاطلاع على أصل الاسم وتاريخه الآرامي الكنعاني، أنظر كتاب “ذاكرة المكان” من تأليف محمد مرقطان (2026) ↩︎
هوامش:
بحلول سنة 1952، بقي في حدود فلسطين التي سيطر عليها الصهاينة نهائيًا سنة 1948 نحو 114 ألف فلسطيني. وكان يُشار إليهم، كما يظهر في بيانات جميع الدوائر الرسمية، بما فيها سجلات شهادات الميلاد، بأنهم فلسطينيي الجنسية والقومية. ثم بدأ الإعلام الصهيوني يستخدم مصطلح “أبناء الأقليات”، بما يحمله من دلالات سياسية.
بعد حرب عام 1967، وخاصة في الإذاعة الصهيونية الناطقة بالعربية، ظهرَ مصطلح “عرب إسرائيل” واستُخدم للإشارة إلى التبعية والولاء لإسرائيل، في مقابل “الفلسطيني”. لم يكن المصطلح مجرد تسمية جديدة، بل أداة دعائية تسعى إلى سلبهم هويتهم الأصلية، والإيحاء بأنهم ليسوا فلسطينيي الانتماء والنضال.
سنة 1976 قامت حركة أبناء البلد، ورفعت راية أننا فلسطينيون من فلسطين، وأن تسميتنا مرتبطة بالوطن. هوجمت الحركة من قبل جميع “المثقفين” من عرب إسرائيل “الباقين”، وعلى رأسهم الحزب الشيوعي، وكان المحرّض الأول إميل حبيبي. أكاديميًا، كان عالم الاجتماع خليل نخلة أول من أطلق عليهم صفة “فلسطينيين”، وصاغ لهم تسمية “فلسطينيين إسرائيليين”.
غالبية الطبقة الوسطى و”المثقفين”، الذين أصبحوا جزءًا من مجتمع يزيد قليلًا على مليوني نسمة، يعتبرون أنفسهم ويتصرفون بناءًا على أنهم “عرب إسرائيل”. أي أنهم يعبّرون عن ولائهم لـ”دولة إسرائيل”. أما ثقافيًا واجتماعيًا، فهم إسرائيليون بامتياز. وإلى جانب هؤلاء، بقيت أقلية من هذه الطبقة تناضل وتنتمي إلى فلسطين، وتطلق على نفسها اسم “فلسطينيو فلسطين”.


