أرى بعينيّ الصغيرتين، علبة سوداء والكثير من الصور

صورةٌ عن الصورة
يتمدّد على جانب الطريق، نصف جسده على العشب والنصف الآخر على الأسفلت، يعصب رأسه بغطاء برتقالي من النيلون، شيء يشبه كيس نفايات، يتّكئ على مرفقيه رافعًا صدره قليلًا، يضع رِجْلا فوق أخرى، ويوجّه نظراته إليّ مباشرةً. رآني ركنتُ سيارتي في الجهة المقابلة له، وفي يدي كاميرا، آخذ صورًا لواجهة منزل خضراء. ألحظ وجوده، ينظر إليّ بثبات، يتحدّاني، يبدو لي غير سويّ، لا أجرؤ، لا أوجه كاميرتي إليه، ألتقط عدة صور للمنزل، أدور بسيارتي الصغيرة، أعود إلى بيتي وفي معصميّ تيارٌ كهربائي، وعلى وجهي استياءٌ فاضح، لماذا لم ألتقط صورة له؟ أين اختفت جرأتي؟
تخطفني كل تلك الصور التي لم أستطع التقاطها، تحفر في ذاكرتي أكثر من تلك التي حفظت في ذاكرة الكاميرا، عجوزٌ يجرّ دراجته الهوائية المهترئة وخلفه مباشرة إعلانٌ ضخم لدراجات كهربائية حديثة، امرأة تحمل طفلها النائم على ظهرها وقد ربطته بقماش، تجلس في الباص قرب النافذة، توقفنا إشارة المرور الحمراء لدقيقة كاملة، تنظر المرأة إليّ من فوق، الباص أعلى من سيارتي، أنظر إليها، إلى الكاميرا القابعة في حضني، لا أجرؤ على رفعها، أشيح بوجهي عنها، أسأل نفسي هل يحق لي اختلاس لحظات الحياة على غفلة من أصحابها؟
يدهشني هذا النوع من التصوير الفوتوغرافي، أشاهد أعمال مصورين غربيين على يوتيوب، يقتحمون حياة الناس، يسرقون منهم لحظة صاخبة أو هادئة، يباغتونهم بآلة التصوير، ومنهم من لا يكتفي بالآلة وحدها، كـ بروس غيلدن الذي يفرقع فلاشًا يدويًّا في وجه المارّة ويصطاد ردة فعلهم في صورة. آخرون يتبعون أسلوبًا هادئًا نوعًا ما، متجانسين مع محيطهم، لا يجزع الناس من حولهم، بل يمرون بهم غير آبهين لوجودهم، كأنهم غير مرئيين لشدة عاديتهم، ومنهم من يذهب أبعد من هذا، كحالة فيفيان ماير التي بقيت صورة سلبية حتى تحميض صورها من قبل شخص اكتشفها صدفة.

أصل الصورة
أعود إلى نفسي، أسأل ما الذي أريده من هذه العلبة السحرية؟ أقلّب الصور التي التقطها مؤخرًا، تلك التي أوقفت الزمن وطردته من إطارها إلى الأبد، صورالعائلة، صيادو السمك يسحبون شباكهم من بطن المحيط، نملة في جوف وردة، طائر معلّق في وهج غروب الشمس، عمّال البناء وسط أكوام الإسمنت… لماذا نفعل كل هذا؟ يقلقني البحث عن مبرّر لأفعالي طوال الوقت، لماذا أكتب؟ لماذا أصوّر؟ لماذا أبحث عن الشعر في كلّ ما أراه؟ هل هو خوف من الاختفاء؟ من التلاشي تحت طبقة خانقة من الحياة الآلية؟ أم هو فضول لاكتشاف ما وراء البديهي؟ للعبث في المجهول؟ إن كانت الكتابة هي عملية بحث في الذات وفي الحياة من حولها، فالتصوير هو عملية هجرة الذات من نفسها وظروفها إلى الآخرين وظروفهم، لا شيء موضوعي في أي من هذا طبعًا، لكن الأمر أشبه باختفاء الذات من المشهد واكتفائها بالمراقبة فقط، المراقبة ثمّ التلقي ثمّ الالتقاط.
في خضم بحثي عن أسباب ترجمة فضولي بهذه الوسيلة، أي التصوير، عدت إلى البداية، عندما كانت كاميرا الهاتف الذكي هي عدستي الوحيدة، وكانت بيروت الدافع الأول لالتقاط الصور، كنت أستكشف المدينة بشكل جديد كليًّا، وأردت أن أمتلك نسختي الخاصة منها، فكانت الصور، وكان المشي في شوارعها هو السبيل إليها. بيروت، ذلك المكان المكثّف بالتاريخ والأحداث، المدينة الأيقونة، كنت أتعجّب ممن يسكنون المدينة ولا يدفعهم فضولهم للذوبان في أزقتها، كيف تملّ وأنتَ في بيروت؟ أخرج إليها! ربما غربتي عن أرضي الأم وعلمي بأنني سأختفي عنها مدة عشرة أشهر أو أكثر في السنة، يجبرني على نظرة رومانسية تجاه البلاد، وربما أيضًا كوني فلاحة، ابنة أرض الزيتون والأيام البطيئة الهادئة في الجنوب، أنظر إلى المدينة كعاشق لن يقدر للمعشوقة وصلًا، كطفلٍ لن يشفى من جرح اليتم في حياته. أخاف أن تختفي مني بعد أن وجدت نفسي فيها. بيروت، المدينة الصورة، حيث تتبخر الأحلام وتبقى الصور.

صورةُ العتمة
كلّ ما تفعله الكاميرا هو ملاحقة الضوء وسجنه في إطار، الضوء أصل الصورة. من الطبيعي أن يحاول المرء أن يعوّض عن نقصه، كيف لإنسان خلق من عتمة الأرض ألّا يرى انعكاس الظلمة فيه؟ وألّا يطارد ألوان السماء؟
أتأمّل الشوارع ومكنوناتها، الناسَ وأشياءَهم والطبيعةَ ومخلوقاتِها، أحاول قدر الإمكان أن أكون لا أحد، شخصٌ غير مرئي يسبح في فضاء الآخرين، أوّل ما أرى في المكان ثقله، وأوّل ما أشعر به تعب الناس من حولي، لهذا أيضًا أجدني أحدّق طويلًا في مجنون يمشي في الشارع، يكلّم نفسه تارة ويطرق في الأرض تارة أخرى، عيونٌ حمراء وثياب رثّة ممزّقة… أشعر بنفسي صغيرة جدًّا أمام الإنسان وكدحه اللامتناهي، يمرّ تحت الضوء فتظهر لي تقاسيم العتمة في هيأته، فألتقطها.
تعود إليّ نظرات الشاب الذي تمدّد على العشب وحدّق في الكاميرا كعارض أزياء محترف، أفطن إلى أنّ ما لفت انتباهه هو العلبة السوداء وليس شخصي، أي أنني كنت حقًّا لا مرئية له، تفصيل ثانوي، ويذكّرني هذا بكلّ أولئك الذين رأيتهم يهيمون على وجوههم في الشوارع، إنهم يدورون في فلكهم الخاص، لا شيء من حولهم يعني لهم ما يعني لنا، أشعر بالدنيا تهتز وتدور تحت أقدامهم، بالكاد يرفعون رؤوسهم للشمس كأنهم ينتمون لعالم سفليّ لا نراه، هؤلاء الموجودون المنسيّون، قد اختفوا من عالمنا. ربما أنجح يومًا ما في إظهارهم للحياة عبر الصور، وربما لن أجرؤ يومًا على اقتحام خلوتهم الثقيلة، أو على تعريض أرواحهم المنكسرة للنور، لكنني أنجح دومًا في العبور إليهم، أترك عالم الأضواء والصور ومكبرات الصوت والضجيج، وأختفي في عالمهم الضبابيّ الثقيل المعلّق بين الحقيقة والذهان، كالفراشة التي تسافر إلى النور، أسافر أنا إلى العتمة.