الأرواح إلى اليمين… الأجساد إلى اليسار

رأيتُ جدارًا كبيرًا مرتفعًا فيه فتحتان، يظهر في السفلى دَرَج وفي العليا عتمة. استرعى انتباهي فهُرعتُ نحوه كأني أركض في منام. تقدّمتُ منه بخطى بطيئة متعَبة. وكلما شعرتُ أني أقترب منه ابتعد عنّي قليلاً، كأنه لا يريدني أن أبلغه، أم أنه مُحرَجٌ خَجلان.
لم أكن أعرف أين أنا. المنطقة مألوفة، اسمها على رأس لساني لكني لم استحضره، وأنا أمشي مخترقًا غشاوةً من غبار من دخان من رمال… لا أعرف. الطقس حار. العرق يتصبّب مني. تمرّ جنبي قبعة قش نفخَتْها ريح هبّت بغتةً، فألتقطتُها كما يلتقط لاعب البيسبول كرة سريعة، لكني لم أسمع هتافًا يهيّص لبراعتي. ولم يوجد أحدٌ في الجوار أعبّر له عن مدى افتخاري بهذه اللقطة. جل ما سمعته أصواتٌ وضوضاء. فأكملتُ سيري مختالًا بحالي.
صار بين وبين الجدار نحو مئة متر وأخذتُ أعاين معالمه. غريب هذا الجدار إذ تراءى لي أن أطفالًا يلعبون على شرفاته الواقعة في جنبه الأيمن، يطلّون من هناك ويختفون. ابتسمتُ وتذكرتُ عندما كانت أمي تلهيني على شرفة المطبخ بينما تُعِدّ لنا الطعام. كانت ترمي لي أرضًا أدواتٍ وأواني لكي ألعب بها. لم تكن تعجبني ألعابي الحقيقية الكثيرة. كنتُ أفضل اللعب بملعقة خشبية وخفّاقة البيض.
وفيما كنت أتقدّم ببطئي المعهود، سمعتُ أصواتًا مصدرها حشد ناس عن يميني. تطلّعتُ فلمحت عمي عزيز، 98 سنة، يتفرّس في وجوه الحاضرين فردًا فردًا. كاد يُغمى عليّ، فلعلمي أنه متوفٍّ. حاولتُ التوجّه نحوه للسلام والسؤال. منعني خط سيري الذي رفض أن ينحرف إلى تلك الجهة، كما لو كنت قطارًا على سكّته. لاحقاً عرفتُ السبب. وهكذا، اكتفيتُ بمراقبته يمحّص في وجوه الموجودين.
تلاقت عيناه بعيني الملكة أليزابيث، 96 سنة، وقد سبقته إلى هناك بأيام. ومن بعيد، شعرتُ بفرحتها لوجود شخص من جيلها وسط هذا الجمع من صغار السن بأعداد كبيرة؛ كأن المكان غدا حكرًا على تلك الشريحة من البشر، فغالبيتهم أجنّة وولائد حتى سنّ الخامسة والعشرين. كانوا كثيرين.
ومن ضجرها وسط تلك الأعمار وفرط حركاتهم، تمسّكت الملكة بعزيز. وعلى الفور، حاولت فتح حديث معه، وقالت: يا عزيز أنت تكبرني بسنتين وقدمتَ إلى هنا من بعدي، أنت محظوظ. كنت أتمنى أن أبلغ قرنًا من العمر، لكني لم أوفّق.
عمي عزيز، ببنيته المستقيمة كرمح وعقله الراجح، لم يحفل بترّهاتها الملكية. كان يحمل حملًا ثقيلًا على كتفيه ويختزن قهرًا شديدًا في قلبه.
ومنذ بلوغه هذا المكان، راح يبحث بين الوجوه الشابة، داعيًا إلى ربه أن لا يقع على الوجه الذي بقي سنين ينتظره “يدخل من هذا الباب”، كما ظل يردد حتى أفلت من عقال اشتياقه الشديد إلى وجه ابنه وقرر المجيء.
كان عمي يدعو ألا يجده بين الوجوه الشابة، لأن لا أحد يتمنى أن يجد ابنه سبقه إلى هذا المكان، ولو أنه كان اختُطف منذ سنين كما قيل، قيل أيضًا أنه رحل، وقيل أنه اختفى… ولا خبر.
بلغتُ الجدار الكبير. فجأة، توقفتُ قبله ببضعة أمتار، كما لو كنت داخل مصعد. ثم حطّني مساري في مواجهة جنبه الأيمن أو ما اعتقدتُه شرفات يلعب عليها أطفال. وما كان جدارًا اتجه نحوه مباشرة، صار سطحًا لمبنى في غزة قصفته إسرائيل وتدمّر. وتكسّرت أعمدته فأطبق السطح على الدار من تحته وعلى من فيها.
وما خلته أطفالًا يلعبون على الشرفة، تبيّن أنها أشلاؤهم، معظمها أيادٍ وأقدام وسيقان يغطيها غبار أبيض أمعن في بثّ صورة موتهم… فاختفى أصحابها الصغار تحت ذلك السطح الكبير.
لن يبارح هذا المشهد ذاكرتي. ومذ وقعت عيناي عليه، انتابتني رغبة شديدة في الذهاب إلى هناك. فاحتَلْتُ على ضيق الشاشة الصغيرة وتسرّبتُ ذرةً ذرة إلى جهة الواقع… وهويت بسرعة جنونية، خلتها بطيئة، حتى توقفتُ عند السطح.
انفلش المشهد أمامي، عن يميني الأرواح وعن يساري الأجساد. وتساءلتُ أين تكون أرواح الأجساد الصغيرة الرازحة تحت السطح؟ رحلتْ نحو يميني وتحلّقت حول الجد عزيز الذي بقي يتمنى أن لا يجد ابنه المختفي بينها… فيما بقيت الملكة إليزابيث تعاني في عزلتها.