"وإذن

لمن هذا الضجيج؟

ولمن نموت وموتنا جسر .. وينتظر العبور؟!"

لماذا علينا أن "نكشف للعالم الجرائم الصهيونية" في كلّ مرّة تنفّذ جريمة؟ أليس الإمعان في الجرائم دليلاً على أن لا فائدة من التبليغ عن الجريمة للشرطي الأميركي؟ ولماذا علينا أن نكشف الحقيقة عندما يعمل العالم على إنتاج الحقائق الجديدة والبديلة وإعادة تدويرها سريعًا؟ يشرح غسان كنفاني في دراسته "في الأدب الصهيوني" كيف أيقنت الحركة الصهيونية باكراً ضرورة "أن تقاتل على جبهة اللغة قتالاً مريراً يوازي قتالها على جبهة رفض الاندماج، التي كانت بديلاً له." أي، الاندماج الذي تبناه كُتاب ومفكرون وعلماء ونُخب يهودية في أوروبا ممن روّجوا لاندماجهم في مجتمعاتهم بدلاً من الانعزال بسبب لعنة "اليهودي التائه"، للمساهمة إيجاباً في تلك المجتمعات. ويستخلص كنفاني وآخرون أن المستعمرة الصهيونية ما كانت لتنشأ لولا جهد على مستوى اللغة والأدب في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وما زلنا، لهذه الأسباب، نشهد إصراراً على فرض مصطلحات محددة في الإعلام-البروباغاندا وفي تصريحات السياسيين مثل "حرب إسرائيل - حماس" بدلاً من "حرب إسرائيل - غزة" أو تكرار شعار "حماس - داعش".

وفي ظل حلم / صدمة السابع من أكتوبر، بدأ الهجوم اللغوي - الإعلامي الأول: "40 طفلاً مقطوعي الرأس." هجوم بسلاح المعلومات وصل صداه إلى العالم بعد جولة نظمها الجيش الإسرائيلي في المستوطنات لوفود صحفية عالمية. واستُخدم هذا الهجوم الإعلامي الواسع النطاق للتمهيد وتبرير المجزرة التي نشهد على دمويتها المستمرة. وحتى بعد دحض الإدعاءات، بقيت الساحة خالية لمجلس الحرب الصهيوني إمعانًا في جرائمه كردّ على "فظائع" المقاومة المزعومة، بفرضه تبني "الحقائق البديلة" عما حصل فعلاً على العالم.

"حقائق جديدة!" 

وأظهر كنفاني أن المشروع الصهيوني شجع وحفّز ورعى باكرًا كل من سار في ركب الادعاءات التي تمهد للمجزرة، خاصة في الفن والأدب والإعلام.  فيقول "أضحى مغريًا باطراد أن يصبح اليهودي الأميركي روائياً، ويكون مثيرًا ومميزًا…". ذلك أن ارتكاب الخطأ، فنياً وتاريخياً في هذه الحالة، قد ينقلب فجأة في مصلحة المؤلف. وليست "الرواية الصهيونية مطالبة مثل أية رواية في العالم، بتعميق الحقائق وسبر أغوارها، لكنها مطالبة باختراع "حقائق" جديدة بأي ثمن. (نتذكر هنا مصطلح "الحقائق البديلة" الذي راج خلال فترة رئاسة ترامب ثم شاع اختلاقها ولا يزال، دفاعًا عن مشروعية آلة القتل الصهيونية.) وبأداء النخب هذا الدور المساند تكسب حماية فريدة تتوقّف على شعور الناقد الأوروبي بالذنب ومسؤوليته الوهمية تجاه إسرائيل."

وكما تسعى الرأسمالية والثقافة السائدة إلى استيعاب الافكار المتمردة لتعيد استثمارها في اليومي، تعمل آلة الدعاية الصهيونية على استيعاب من يملك القدرة على طرح أفكار مختلفة جديدة، مِن صحفيين وكتاب وفنانين… فترعى من يدعمها وتقصي من يخالفها. ونشأت هذه الاستراتيجية من قناعة أن هدف الإنتاج الثقافي الصهيوني وداعمه توظيف الجهد "المعلوماتي" ضمن مشروع الاستعمار.

وفي الأدب الصهيوني، تقول شخصية الضابط الإنكليزي مالكوم في رواية اكسودس لـ ليون أوريس الصادرة في 1958 (بعد عقد على النكبة): "أحب الجنود اليهود. المحارب اليهودي هو الأفضل، فهو مقاتل ومثالي في آن واحد.. إن رجال الهاغاناه يشكلون بلا تردد أعلى مستوى ثقافي وعقلاني ومثالي لرجل مسلّح في العالم". ويضيف: "ويشمل هذا التفوق الصعيد الأخلاقي، فاليهود الذين يلقون القنابل على المدن العربية، يتعمدون ألا يلحقوا دماراً أو ضحايا، في حين أن القنابل العربية، للدهشة، لا تقتل إلا الأطفال." وللدهشة أيضاً أن نقرأ هذا الاقتباس ونجد أنه يتكرّر حرفيا، اليوم، في 2024، لتبرير النكبة المستمرة. 

وبين رواية "أكسودس" في 1958 وتصريحات الدبلوماسيين الغربيين في 2024، حاجة دائمة لتكرار تعابير "الحرب الأخلاقية" و"أكثر جيش أخلاقي في العالم" و"الواجب الأخلاقي يحتم علينا دعم إسرائيل". وهذه الأخلاق، كما رأينا، هي محض أكاذيب تبدأ يالرواية الأدبية وتنتهي في فيديو يوثّق حجم الدمار والأشلاء في غزّة. والأخلاق هنا تعني أيضاً أن يحافظ صاحب القوة على قوّته لأنه أخلاقي، وأن يختفي الضعيف المتمرّد خلف جدار فاصل وأسلاك شائكة لأنه غير أخلاقي ولا يستحق العيش في "العالم الجديد". أما "الحقيقة" فتعني هنا تعظيم المستعمِر والرفع من شأنه ومن قيمه الإنسانية، وتحقير صاحب الأرض المستعمَر وسلبه من إنسانيته، ما يبرّر إلغاءه وإلغاء أي حق من حقوقه. وفي الحديث عن التسميات والتعابير، أدق وصف لتلك الأدوات والاستراتيجيات هو بكلمات مثل العنصرية، الاستعمار والإبادة. 

وكما كانت العبودية عنصرا أساسياً في النظام الرأسمالي التنويري في القارتين الأفريقية والأميركية، ما زالت حجة الأخلاق هي الأقوى لتبرير شّن هذه القوى نفسها حروباً ضد الشعوب المستضعفة. لكن التاريخ يذكّرنا بأنه عندما انتفض العبيد لم يشاركهم المتنورون الأوروبيون ولو شطرّا من شعار "مساواة، حرية، أخوة"، ولم يجد هؤلاء أن العبيد الأحرار يستحقون هذه الحداثة التي بُنيت على جثثهم وقراهم المحروقة.  

عرضَ الفيلسوف الفرنسي جان بودريار في بداية الألفية الثانية بعض ما يترتب عن الكلام في "الأخلاق" واقعًا وحاضرًا، فيقول: "الإسرائيليون (على عكس الأميركيين) يرون الآخر بوضوح بلا أوهام أو وازع. الآخر، العربي، غير قابل للتحويل [...] لا ينبغي تغييره، بل يجب التغلب عليه وإخضاعه." والإشارة هنا هي لفكرة أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة غالباً ما تتضمن دعوة لـ "نشر الديمقراطية" كشرط لتحسين ظروف سكان بلد خارج عن قبضتها. أما الحرب الإسرائيلية، فهي صريحة وواضحة، تقول على لسان قادتها أن الهدف هو التغلب وإخضاع الآخر-الفلسطيني، فهو يولد في بطن أمه إرهابياً، لذا فهو "غير قابل للتحويل". 

شهود البثّ الحي

في المحصلة، تشيع نظرتان الى واقعين مختلفين من وجهة نظر المتابع الذي يشاهد الحرب عبر شاشة، إشارةً إلى سؤال طرحه جان بودريار في 1991: "هل حدثت حرب الخليج بالفعل؟"، ومنه هل يوجد توافق أو إجماع على طبيعة الحرب وتعريفها، انطلاقًا مما كان يشاهده المواطن الأميركي والمتفرّج حول العالم، وهل كانت تلك المَشاهد تنقل فعلاً واقع الحرب على الأرض. ويدفعنا ذلك لنسأل اليوم: هل الجميع يشاهد نفس الحرب ونفس الأحداث؟ وهل تعداد القتلى والأبنية المدمرة كاف لإعادة الحق للحقيقة.

إن ما يحدث اليوم هو عملية نقل نُسخ معيّنة من الحرب على أنها حدثت بالفعل، وأن نسخة أخرى فيها "الحقيقة" لم تحدث. يمكن للعين النقدية أن تلاحظ بسهولة كيف أن القنوات الإخبارية وشريط الأخبار على مواقع التواصل تنشر مصادر أخبار مختلفة بناء على ما تقرره الخوارزميات، فتبث لمستخدميها نسخًا مختلفة من الأحداث: نفس ساحة المعركة، ولكن بمشاهد مختلفة، ومقاطع فيديو مختلفة أو مقتطعة، وتعلن منتصرين مختلفين… إلى جماهير مختلفة. ولذا، تحتاج إسرائيل بشكل متزايد، إلى تجاوز حدودها الجغرافية لكي تستمدّ القوّة. ليس فقط لتسلّم المدد العسكري الأميركي، بل أيضاً لتلقي الدعم الإعلامي والسياسي الذي يكشف في كلّ مرة شبكة المصالح الضالعة في الإبادة الحالية. وفحوى ذلك أن المحاكاة المضلّلة لما يحدث على أرض الواقع أصبحت جزءاً متجذرًا من العمليات الحربية. وآلة الاحتلال تستوعب هذا الواقع وتعيد تدويره بما يناسبها. 

يفسّر بودريار ظاهرة النقل الحي في الحروب مع بداية حرب الخليج أو "عاصفة الصحراء" فيقول: "القوة التي تصنع الأزمة اتّحدت مع القوة التي تصنع الأفلام" لتصنع التاريخ بالمباشر، واصفاً هذا الزواج (الأميركي) بأنه شرط أساسيّ للسيطرة على حركة المعلومات في الحيّز العام. وفي فترة "النقل المباشر"، أي الأيام الأولى لهجوم عسكري أو يوم إنتخابات مفصلية، تحصل أكبر عملية تضييق على حرية نقل المعلومات من أجل التأثير على نتائج الحدث. بمعنى أخر، المعلومات التي تُبث تقرّر نتيجة الحرب التي تخاض على الأرض. 

خلال جلسات محكمة العدل الدولية، توجّه المحامي الايرلندي بليني ني غرالاي بالحديث إلى المحكمة قائلاً أن هذه هي "أول إبادة جماعية في التاريخ يبث ضحاياها الدمار الذي لحق بهم في الوقت الحي، في أمل يائس، وغير مجدٍ، في أن يفعل العالم شيئًا ما".

وفي المنقلب الآخر، كان الجنود الصهاينة يبثون بالوقت الحي مشاهد التفخيخ والتدمير الذي مارسوه لأكثر من 100 يوم، لأن العالم لن يفعل شيئاً. إذا، انتقلنا إلى مرحلة أصبح العالم ككل معنياً بالحدث، وللجميع فرصة فعل شيء ما أو الإشاحة بالنظر. وتعمل الأنظمة على التحكم بهذا الشقّ من الحياة العامة، أي الأحداث المعلوماتية (المعلومات جزء أساسي من مسارها العملياتي وأثرها)، مثل الحرب على غزّة. لكن، في حين كان من الصعب لشخص في بريطانيا دحض ادعاءات قرأها في رواية في بداية القرن العشرين عن فلسطين، ورغم المصادر والموارد المتاحة للبحث عن الحقيقة، ما زال الأمر صعباً نتيجة الأساليب الحديثة التي تستخدمها الأنظمة لطمس الحقيقة وإغراق المتابِع في الضجيج.  

حتى عندما يقرّر المفكر الغربي نقد "النظام العالمي الجديد" والمنظومة الغربية وحروبها الاستعمارية ودور الإعلام الغربي في نقل الصورة، فهو في كثير من الأحيان لا يقدّم صورة مختلفة عن النظام العالمي لناحية تعامله مع الذات العربية. فيصف جان بودريار مثلاً حرب الخليج بأنها "حرب بين آلة عسكرية مبرمجة مسبقاً (أي التحالف بقيادة الولايات المتحدة) و"بائع سجاد" محتال وهستيري من أسلحته الحيلة والخداع" (أي النظام العراقي). ورغم الوصف الاستشراقي الذي يمارسه بودريار من دون خجل، غاب عنه أن الحيلة والخداع، المعروفة حالياً بـ "الحرب الالكترونية" و"البروباغاندا الإعلامية" هي من أهم استراتيجيات النظام العالمي وكانت أول سلاح استخدمه بعد 7 أكتوبر. 

الإستيعاب أو التدمير

وبما أن الحياة أصبحت موضوع السلطة وهدفها، يحقّر النظام العالمي ويقتل كل حياة لا يستطيع فرض سيطرته عليها. فالسلطة تستثمر في الحياة وتعيد إنتاجها وتديرها كي تزيد قوّتها وتبسط سلطتها على المزيد من الموارد. ولكنها لا تهتم لحياة لن تدر عليها بالفائدة، بل هي ستقتل الحياة التي تشكّل خطر على النظام. وفي عصرنا هذا، يمكنك قتل الأشخاص بالقضاء على الأجساد، أو الأفكار، أو الشخصيات الالكترونية. والقتل يتضمن العزل والسجن والجمع في معسكرات لا بوابة خروج منها كي ينعم العالم بالراحة والطمأنينة. ولكن القتل والتدمير والمعسكرات هي عناصر إشكالية بالنسبة للمنظومة، لأنها تدلّ على قصور في قدرة النظام العالمي على فرض سيطرته التامة. القتل يعرّي النظام العالمي ويكشف أنه فعلياً آلة تمتهن القتل. ولذلك عليه أن بغيّر تعريف الأشياء ومسمّياتها ويخلق الأكاذيب من خلال الإعلام وغيره من أدوات. وهذا النظام العالمي، يثبِت في كل مناسبة، السرعة، والفعالية، والقوة الكامنة فيها من أجل التدمير، تدمير غزة وتجويع السكان وقطع المياه والدواء والكهرباء. فهذا هو ما صنعه الاستعمار منذ 500 عام ولا يزال. 

لكن الصورة التي عمل المشروع الصهيوني على إنتاجها وإعادة تدويرها ونشرها منذ أول كتاب دعائي صهيوني قبل أكثر من قرن، يبدو أنها بدأت تخسر وهجها بعد أن وثق أفراد ومجموعات على مرّ التاريخ، المجزرة التي ارتكبها الصهاينة ضد الفلسطيني على مدى أكثر من مئة عام. إن أرشيف الصور والنصوص والأدلة التي تدين المجرم وترفض تجهيل الضحية سيكون كافياً، ولو بعد حين، للقضاء نهائياً على الكذبة الصهيونية. 

علينا أن ندافع بالكلمة عن المقاتل الحافي الذي يدافع عنا بالسلاح. وأن نوثّق المجزرة الجارية بالبثّ الحي والضالعين فيها. وهذه الجبهة تمتد، ليس فقط على حدود غزة أو فلسطين، أو في الأدب والإعلام الصهيوني فحسب، بل تتخطاها لتشمل نظاماً يحكم العالم ومن فيه، وينتج ويمتص ويعيد تدوير الثقافة بمعناها الأوسع من أجل بسط سيطرته التامة على الحياة. وعلى العمل الثقافي ان يسلك مسلك المقاوم، ان ينسف الجدار لكي تنجلي الحقيقة (شعار مجلة الهدف: "كل الحقيقة للجماهير"). وان يكون حليف الخيال لكي يبتدع اساليب التحرر من الواقع-الاحتلال، مثلما فعلت غزّة في السابع من أكتوبر. 

أما الأرض، فهي تعرف أهلها،

والأرض تحمل أسماءهم،

من هنا تبدأ الخارطة والكلمات.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل أنقر هنا
Patreon support button